في هذا السياق، يصرح المحلل السياسي والعميد المتقاعد في الجيش اللبناني، منير شحادة، بأن قرار دونالد ترامب بتمديد الهدنة، رغم تهديداته السابقة، لا يمكن قراءته كتناقض بسيط، بل كمؤشر على تعقيدات المشهد الاستراتيجي وحدود الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة. ويوضح منير شحادة أن أول ما يفرض نفسه هو حساب الكلفة مقابل العائد، إذ تدرك الإدارة الأمريكية أن أي مواجهة مع إيران لن تكون ضربة محدودة وسريعة، بل صراع مفتوح قد يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، بالأخص عبر مضيق هرمز، حيث قد تتجاوز الكلفة الاقتصادية والسياسية أي مكسب عسكري محتمل.
ويضيف منير شحادة أن غياب البديل الجاهز يمثل عاملا حاسما في قرار التمديد، مشيرا إلى أن سياسة “الضغط الأقصى” لم تدفع طهران إلى تقديم تنازلات حاسمة، فيما تبقى الحرب خيارا عالي المخاطر. وفي ظل هذا المأزق النسبي، يرى منير شحادة أن تمديد الهدنة يشكل محاولة لـ”شراء الوقت”، عبر الاستمرار في الخنق الاقتصادي لإيران، بانتظار تغير في موازين القوى أو توافر فرصة تفاوضية أفضل.
وفي السياق ذاته، يؤكد منير شحادة أن إدارة الصورة السياسية تلعب دورا محوريا في سلوك دونالد ترامب، الذي يجمع بين الخطاب التصعيدي والبراغماتية العملية، إذ يرفع سقف التهديد، لكنه يتجنب الانخراط في حرب غير مضمونة النتائج. ويفسر منير شحادة قرار التمديد باعتباره تكتيكا تفاوضيا يهدف إلى تعزيز أوراق الضغط، لا كتراجع أو تنازل.
كما يشير منير شحادة إلى أن هاجس تجنب الانفجار غير المحسوب يبقى حاضرا بقوة، إذ إن أي شرارة قد تؤدي إلى توسع إقليمي يشمل عدة جبهات، ما يضع القوات والمصالح الأمريكية في دائرة الاستهداف. لذلك، يوضح منير شحادة أن تمديد الهدنة يأتي كمحاولة لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
ويؤكد منير شحادة أن الولايات المتحدة ليست عاجزة، لكنها تعمل ضمن هامش خيارات يضيق تدريجيا، حيث إن القوة متوفرة، لكن كلفة استخدامها مرتفعة للغاية، ما يجعل اللجوء إليها قرارا بالغ التعقيد. وعليه، يرى منير شحادة أن التمديد لا يعكس ضعفا، بل إدراكا لخطورة البدائل.
السيناريوهات المتوقعة بعد تمديد الهدنة
يؤكد منير شحادة أنه مع كل تعثر في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، يعود المشهد إلى ما يمكن وصفه بـ”المنطقة الرمادية”، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر. ويشير منير شحادة إلى أنه منذ الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، سنة 2015، في عهد دونالد ترامب، أصبح هذا النمط هو القاعدة، ما يفتح الباب أمام أربعة سيناريوهات رئيسية.
وفي هذا الإطار، يوضح منير شحادة أن السيناريو الأول يتمثل في “التصعيد المضبوط”، وهو الأكثر ترجيحا، حيث تتبادل الأطراف رسائل عسكرية محدودة عبر ضربات دقيقة أو عمليات غير مباشرة، مع الحفاظ على سقف يمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، ويكون الهدف تحسين شروط التفاوض لا الحسم العسكري.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل، بحسب منير شحادة، في حرب إقليمية محدودة قد تمتد إلى ساحات مثل العراق وسوريا وربما لبنان، إضافة إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب دون إغلاق كامل، وهو سيناريو يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة لكنه يبقى دون مستوى الحرب الشاملة.
وفيما يتعلق بالسيناريو الثالث، يشير منير شحادة إلى أنه يتمثل في الحرب الشاملة، وهو الأخطر لكنه الأقل ترجيحا، إذ يتضمن مواجهة مباشرة واسعة وضرب البنية التحتية وتعطيل الممرات البحرية. ويضيف منير شحادة أن هذا المسار لا يحدث عادة إلا نتيجة خطأ استراتيجي كبير أو خروج التصعيد عن السيطرة، لكنه لم يعد مستبعدا بالكامل في ظل وجود شخصيات مثل دونالد ترامب والمجرم بنيامين نتنياهو.
أما السيناريو الرابع، فيتمثل، وفق منير شحادة، في تفاهم قسري أو تسوية جزئية، تقوم على تبادل تنازلات محدودة، تسوّق داخليا كانتصار سياسي، بينما هي في الواقع مجرد إدارة للأزمة دون حل جذري.
هل الحرب وشيكة؟
يرى منير شحادة أن الحديث عن توقيت محدد لانفجار الحرب، مثل “فجر الخميس”، يندرج ضمن التهويل الإعلامي أكثر منه التحليل الاستراتيجي، مؤكدا أن الحروب الكبرى لا تندلع بقرار لحظي، بل نتيجة تراكمات معقدة. ويشدد منير شحادة على أن جميع الأطراف تحرص على إبقاء هامش للمناورة، حيث تدرك الولايات المتحدة كلفة الحرب الشاملة، فيما تدرك إيران مخاطر استهداف بنيتها الحيوية، ما يجعل السيناريو الأرجح هو استمرار “اللعب على حافة الهاوية”، وهو اتجاه يعززه قرار تمديد الهدنة.
استعدادات طهران وحلفائها
يوضح منير شحادة أن إيران تعتمد على استراتيجية صراع طويل الأمد، بدل المواجهة التقليدية المباشرة، مشيرا إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على عدة محاور. ويبيّن منير شحادة أن أول هذه المحاور هو شبكة النفوذ الإقليمي التي تتيح لطهران فتح جبهات متزامنة دون مواجهة مباشرة.
كما يشير منير شحادة إلى أن المحور الثاني يتمثل في القوة الصاروخية والطائرات المسيرة، التي توفر قدرات دقيقة لاستهداف مواقع حساسة على مسافات بعيدة، سواء عبر صواريخ باليستية أو تقنيات متطورة، ما يعزز قدرة الردع.
أما المحور الثالث، فيتعلق، بحسب منير شحادة، باستراتيجية المضائق، حيث تعتمد طهران على التهديد بتعطيل الملاحة في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، مع تصاعد احتمالات التأثير على باب المندب، بهدف رفع كلفة التصعيد دون الوصول إلى الإغلاق الكامل.
ويضيف منير شحادة أن المحور الرابع يتمثل في الحرب غير المتكافئة، التي تقوم على استنزاف الخصم عبر ضرب مصالحه في أكثر من ساحة، ما يجعل أي مواجهة محتملة طويلة ومكلفة ويصعّب تحقيق نصر سريع.
خيارات واشنطن لتجنب الكارثة
يشير منير شحادة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك ثلاثة خيارات رئيسية لتجنب التصعيد. الخيار الأول هو احترام شروط التفاوض مع إيران.
أما الخيار الثاني، بحسب منير شحادة، فيتمثل في التفاهم المرحلي، من خلال تخفيف العقوبات مقابل التزامات إيرانية ضمن صيغة معدّلة من الاتفاق النووي الإيراني 2015.
ويرى منير شحادة أن المعطيات الحالية لا تشير إلى اندلاع حرب شاملة وشيكة بموعد محدد، بل إلى استمرار التصعيد ضمن سقف محسوب، مؤكدا أن إيران تستعد لصراع طويل ومكلف، فيما تميل الولايات المتحدة إلى إدارة الأزمات بدل تفجيرها. وفي ضوء ذلك، يرى منير شحادة أن الشرق الأوسط سيبقى في حالة توازن هش، حيث لا حرب كبرى ولا سلام مستقر، وأن تمديد الهدنة يمثل خيارا اضطراريا عقلانيا في ظل كلفة البدائل الأخرى.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :