كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
في لبنان، لا تُفهم الشرعية السياسية بمعزل عن مبدأ العيش المشترك، الذي لم يعد مجرد مفهوم سياسي، بل تحوّل إلى قاعدة دستورية ملزمة. فقد نصّت مقدمة الدستور، في الفقرة (ي)، على أنّ “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، ما يجعل هذا المبدأ معيارًا حاسمًا للحكم على دستورية أي ممارسة سلطوية، وليس مجرد شعار سياسي قابل للتأويل.
وفي هذا الإطار، يبرز قرار التفاوض الذي يتخذه رئيس الجمهورية كمسألة مركّبة، تتداخل فيها الصلاحيات الدستورية مع مقتضيات التوازن الوطني. فمن حيث المبدأ، تنص المادة 52 من الدستور على أنّ رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. كما تشير المادة 65 إلى أنّ السلطة الإجرائية تناط بمجلس الوزراء، الذي يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، بما فيها السياسة الخارجية.
غير أنّ هذه الصلاحيات، وإن كانت واضحة من حيث الشكل، لا يمكن فصلها عن الإطار الميثاقي الذي يحكم النظام اللبناني. فالدستور نفسه، عبر مقدمته، يفرض قيدًا جوهريًا على ممارسة السلطة، يتمثّل في احترام العيش المشترك كشراكة فعلية بين مكوّنات المجتمع. وبالتالي، فإن أي قرار مصيري—كالدخول في مفاوضات ذات طابع سيادي—لا يكتسب مشروعيته الكاملة بمجرد استيفائه الشكل القانوني، بل يحتاج إلى حدّ أدنى من التوافق الوطني الذي يعكس هذه الشراكة.
وعندما يُتخذ قرار التفاوض في ظل معارضة واضحة من مكوّن أساسي، كـالطائفة الشيعية، فإن الإشكالية لا تعود محصورة في نطاق الخلاف السياسي، بل تمتد إلى مدى انسجام هذا القرار مع الفقرة (ي) من مقدمة الدستور. فإقصاء مكوّن وازن عن قرار سيادي قد يُفسَّر على أنّه مساس بميثاق العيش المشترك، ما يضع شرعية القرار موضع تساؤل، حتى لو استند إلى تفسير دستوري للصلاحيات.
في المقابل، لا يمكن تحويل مبدأ العيش المشترك إلى أداة تعطيل دائم، إذ إن الدستور لم يمنح أي طائفة حق النقض المطلق. فالمادة 65، وإن كانت تشترط التوافق في القضايا الأساسية، فإنها حدّدت أيضًا آليات اتخاذ القرار داخل مجلس الوزراء، بما يمنع الشلل الكامل للدولة. من هنا، فإن التوازن المطلوب لا يقوم على التعطيل، بل على التشاور العميق والسعي إلى التوافق، خصوصًا في المسائل المصيرية.
كما أنّ الاجتهاد الدستوري والفقهي في لبنان استقرّ على أنّ مقدمة الدستور تتمتع بقيمة دستورية مساوية للمواد، ما يجعل مخالفة مبدأ العيش المشترك مخالفة دستورية فعلية، لا مجرد خرق سياسي. وهذا ما يعزّز القول إن الشرعية في لبنان ذات بُعدين: قانوني شكلي، وميثاقي فعلي، ولا يستقيم أحدهما دون الآخر.
إن التحدّي الحقيقي يكمن في التوفيق بين هذين البعدين: فلا يجوز للسلطة أن تتذرّع بالنصوص لتبرير التفرد، كما لا يجوز لأي مكوّن أن يحتكر مفهوم الشراكة لتعطيل مؤسسات الدولة. فالتفاوض، كقرار سيادي، يجب أن يكون تعبيرًا عن إرادة وطنية جامعة، لا مجرّد ممارسة لصلاحية دستورية بمعزل عن سياقها الميثاقي.
وفي الخلاصة، يتبيّن أنّ الشرعية في النظام اللبناني ليست نتاج النصوص وحدها، بل ثمرة التوازن الدقيق بين الدستور والميثاق. فحيث يُحترم هذا التوازن، تستقيم الدولة، وحيث يُختل، تتصدّع الشرعية.
فحين تُصان الشراكة تُبنى الدول، وحين تُكسر تُختبر الشرعية، ويبقى الدستور ميزان الحقيقة الذي لا يميل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :