كتب رشيد حاطوم
مرة أخرى، تعود بنت جبيل لتكتب فصلًا جديدًا في سجل المقاومة. ليست مجرد مدينة حدودية، بل رمزٌ يتجدّد، حيث يُختبر معنى الصمود أمام آلة عسكرية لا تعرف إلا لغة النار.
تقدمٌ محاصر… ونار لا تصنع نصرًا
يُطلِق العدو وابلًا من القصف العنيف، ظنًا منه أن الطريق إلى بنت جبيل مفروش بالرماد. لكنه يصطدم، فور وصول قواته إلى أطراف "عاصمة التحرير"، بواقع مختلف: أزقة تتحول إلى أفخاخ، وشوارع تُصبح ساحات قتال من مسافة صفر. هنا، تتساقط تفوقات التكنولوجيا، ويبدأ منطق جديد: من يملك أعصابًا أكثر؟
الميدان يشهد: خسائر لا تُغطى بالبيانات
بعيدًا عن البيانات العسكرية المبهمة، ترسم الوقائع الميدانية صورة أكثر قسوة. فمنذ بدء العملية البرية الأخيرة في جنوب لبنان، تتراكم الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، وتصبح بنت جبيل مركز ثقلها الأكثر إيلامًا.
القتلى: تشير المصادر الموثقة إلى نحو 13 قتيلًا على الأقل منذ بدء التوغل، مع تركيز لافت داخل بنت جبيل. رقم قد يبدو محدودًا ظاهريًا، لكنه ثقيل في عملية عسكرية من المفترض أنها "محدودة وسريعة".
الجرحى: في اشتباك واحد فقط داخل المدينة، سُجّلت 3 إصابات خطيرة (جلّها لضباط ميدانيين)، وإصابة متوسطة، و6 إصابات طفيفة كان يمكن أن تتحول إلى خسائر أكبر لولا صعوبة الإخلاء تحت النار. واللافت أن تقارير ميدانية تحدثت عن إصابة قائد كتيبة مدرعة، مما يعني أن المعركة لم تقتصر على الجنود، بل طالت الرؤوس القيادية.
التقديرات الإجمالية: بعض التحليلات الإعلامية تذهب إلى أن مجموع القتلى والجرحى قد يصل إلى 150–160، وهو رقم غير مؤكد رسميًا، لكنه يُشير لحجم الاستنزاف الحقيقي.
الأهم من العدد: النوعية — إصابات في صفوف وحدات النخبة (مظليين، مدرعات)، استهداف آليات داخل أحياء مكتظة بالكمائن، اشتباكات من مسافة صفر ألغت التفوق الجوي والتكنولوجي. هذا المزيج هو ما يحول الخسائر من مجرد أرقام إلى أزمة ثقة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
أرض تعرف أبناءها… وبيوت تصنع المعجزات
في بنت جبيل، لا أحد غريب عن تفاصيل الأرض. كل زاوية خُطط لها، وكل جدار يحفظ ذاكرة مواجهة سابقة. المقاتل هنا ليس زائرًا عابرًا، بل جزء من النسيج. وهذه الميزة تحول أي توغل عسكري إلى عبء استراتيجي على المهاجم، لا إلى إنجاز يُدوّن.
تحطيم الهيبة… بنفس المكان
ما يحدث ليس معركة عابرة، بل محاولة لإعادة بناء وهم الردع الذي انهارت صورته أكثر من مرة. لكن الحقيقة الميدانية تقول عكس ذلك: تقدم متعثر، خسائر متزايدة، وعجز عن الحسم رغم التفوق الجوي والناري. في المقابل، تثبت المقاومة أن المدن لا تُفتح بالقنابل، بل تُحسم بالروح.
ما بين الرصاص والكلام
معركة بنت جبيل تتجاوز حدود الجغرافيا. العدو يريد تحسين أوراقه التفاوضية، والمقاومة تريد أن تثبت أن الاحتلال يبقى مكلفًا مهما تطوّرت الوسائل. هنا، يصبح الصمود بحد ذاته نصرًا، لأنه يُسقط الهدف الأسمى للحرب: كسر الإرادة.
والمشهد مستمر
في بنت جبيل، لا يُقاس التقدّم بالأمتار، بل بقدرة الإنسان على الثبات. وحتى هذه اللحظة، تبقى المدينة وفية لاسمها الذي حملته منذ تحرير 2000: "عاصمة المقاومة والتحرير". أبوابها لم تفتح للغزاة، بل أعادت إنتاج معادلتها الخالدة:
هنا يبدأ الفشل… لكل من يظن أن النار وحدها تصنع النصر.
وتبقى "عقدة بيت العنكبوت" التي أطلقها الأمين العام الشهيد السيد حسن نصر الله من فوق أرضها، عصية على الكسر. يمكن للعدو أن يدمّر ملعب بنت جبيل أو يصل إليه، لكن العقدة التي تلاحقه… تكمن في الإرادة التي لا تُدمَّر.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :