في لحظة إقليمية مشحونة، حيث تتداخل خطوط النار مع حسابات الاقتصاد العالمي، خرج محمد جواد ظريف عن صمته، لا بصفته مسؤولاً سابقاً فحسب، بل كصوتٍ خبير في هندسة التوازنات الدقيقة، حاملاً رسالة سياسية مشفّرة بعناية إلى قلب القرار في البيت الأبيض.
الرسالة لم تأتِ عبر خطاب رسمي أو بيان تقليدي، بل عبر استعارة حادة ومباشرة موجّهة إلى دونالد ترامب، تختصر فلسفة المواجهة وحدودها:
"أسوأ المقامرين هم أولئك الذين لا يعرفون متى ينسحبون من طاولة خاسرة."
بهذه العبارة، لم يكن ظريف يعلّق على قرار عابر، بل كان يعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي، في ظل تصعيد أمريكي بلغ حد محاولة خنق الموانئ الإيرانية والتلويح بالسيطرة على مضيق هرمز، الشريان الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية.
ما بين سطور هذا التحذير، تتكشّف معادلة دقيقة: طهران لا تتحدث بلغة الانفعال، بل بلغة الكلفة. فالمقامرة، كما يصفها ظريف، لم تعد محصورة في نطاق الضغط على إيران، بل امتدت لتشمل استقرار الأسواق الدولية، وتماسك التحالفات، وحتى قدرة واشنطن على إدارة لعبة الحافة دون السقوط.
اللافت في خطاب ظريف، أنه يعكس ازدواجية مدروسة في الأداء الإيراني: صلابة ميدانية تقابلها مرونة دبلوماسية، وتصعيد محسوب يقابله فتح نافذة ضيقة للانسحاب الآمن. وكأن الرسالة تقول بوضوح: إن كسر التوازن في الممرات البحرية لن يكون مجرد خطوة تكتيكية، بل تحوّلاً استراتيجياً قد يخرج عن السيطرة.
في هذا السياق، يبدو أن طهران تعيد تقديم نفسها لاعباً لا يمكن تطويعه بالحصار وحده، بل طرفاً يمتلك القدرة على قلب الطاولة، أو على الأقل جعل كلفتها باهظة إلى حد يدفع الخصم لإعادة الحسابات.
أما الخلاصة غير المعلنة، فهي أن الدعوة إلى الانسحاب ليست ضعفاً، بل عرضاً أخيراً لتفادي لحظة الانفجار الكبير. فحين تصبح الطاولة على حافة الانهيار، لا يعود السؤال من سيربح، بل من سيدفع الثمن الأكبر.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :