كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
في دولةٍ تقوم على مبدأ سيادة القانون، لا يمكن لأي سلطة، مهما علت، أن تتجاوز النصوص القانونية النافذة تحت أي ذريعة سياسية أو دبلوماسية. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح عند البحث في مسألة تواصل مسؤول لبناني، كالسفير لدى الأمم المتحدة، مع العدو الإسرائيلي، حتى لو جاء ذلك بطلب من رئيس الجمهورية.
يُعدّ لبنان في حالة عداء قانونية مع إسرائيل، وهو ما كرّسته مجموعة من التشريعات، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، والذي يجرّم أي تعامل أو تواصل مع العدو، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر. كما أن قانون العقوبات اللبناني، لا سيما في المواد 273 وما يليها، يفرض عقوبات صارمة على كل من يتعامل مع العدو أو يقيم معه صلات تُعدّ خرقًا للمصلحة الوطنية.
في المقابل، يمنح الدستور اللبناني رئيس الجمهورية دورًا أساسيًا في إدارة العلاقات الخارجية، حيث تنص المادة 52 على أنه يتولى التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. غير أن هذه الصلاحيات، على أهميتها، لا تُعطيه الحق في مخالفة القوانين المرعية الإجراء أو إعطاء أوامر تناقضها.
وهنا يبرز مبدأ قانوني أساسي مفاده “عدم جواز التذرّع بالأوامر الرئاسية لتبرير الأفعال الجرمية”، وهو مبدأ مستقر في الفقه والاجتهاد، ويُعبَّر عنه بالقاعدة الشهيرة: “لا طاعة لأمرٍ غير مشروع”. فالموظف العام، بما في ذلك السفير، يبقى خاضعًا للقانون أولًا، ولا يُعفى من المسؤولية إذا نفّذ أمرًا يُشكّل جرمًا واضحًا.
وعليه، فإن أي تواصل مباشر مع العدو الإسرائيلي، خارج الأطر الدبلوماسية غير المباشرة أو القنوات الدولية المعترف بها، قد يعرّض صاحبه للملاحقة الجزائية، حتى ولو تمّ تحت غطاء سياسي أو بطلب من أعلى سلطة في الدولة، لأن الشرعية لا تُستمد من الأشخاص، بل من احترام القانون.
“ففي دولة القانون، لا تتحوّل الشرعية إلى غطاءٍ للمخالفة، بل تبقى القوانين هي السقف الذي لا يعلوه قرار، وهي الميزان الذي تُوزن به السلطات، فلا سلطة تعلو على النص، ولا إرادة تتقدّم على العدالة، لأن الدولة التي تُساوِم على قانونها، تُساوِم على وجودها.”
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :