فيصل الأشمر
لم تعش بيروت يومًا على هامش الأحداث، ولم تنعزل يومًا عن المواقف المصيرية التي شهدتها الأمة، ولم تكن مساحةً رمادية مدوّنةً في روايات العابرين. بيروت هي أم المقـ.ـاومة، وحضن المقـ.ـاومين، وقلب المـ..ـواجهة النابض، وذاكرة الفعل المقـ.ـاوم، مهما تبدّلت الظروف أو توالت الأزمان.
منذ نشأة الـ.ـكــ..ــيان المؤقت كانت بيروت واجهة التظـ.ـاهرات والاعتصامات، وبرزت عنوانًا للرفض الشعبي والوطني، ذلك الرفض الذي لم يكن شعارًا عابرًا، بل تُرجم فعلًا ميدانيًا تجسّد في عـــ.ــمـلـيات نوعية، مع عــ..ــمـلـية خالد علوان التي لم تكن مجرّد حدث أمني، بل إعلانًا صريحًا بأن بيروت، رغم الجراح والآلام، لا تُستباح ولا تخضع.
لم يبدأ دور بيروت في مـ..ـواجهة الـعـ.دو منذ اجتياح عام 1982، بل يمتد إلى محطات سابقة. عام 1978، ومع اجتياح الجنوب في "عــ..ــمـلـية الليطاني"، تحولت لمركز سياسي وإعلامي يفضح الـعـ.دوان ويحشد الدعم للمقـ.ـاومة. ثم كانت ذروة المـ..ـواجهة مع اجتياح لبنان عام 1982، حين حوصرت بيروت لأشهر، وتعرّضت لقـ..ــصـ.ــفٍ شديد، في محاولةٍ لكسر إرادتها وإخضاعها.
لكن بيروت لم تنكسر. صمدت، وضمت إلى حضنها مقـ.ـاومات تتعدد عقائدها ومناهجها، لكنها تتوحد على مـ..ـواجهة الـعـ.دو الوحيد، "إســـ..ـرائيـل" وخلفها ومعها أميركا.
ومن رحم هذا الفعل المقـ.ـاوم، نشأت بيئة رافضة لأية تسوية تنال أو تنتقص من السيادة، وصولًا إلى إسقاط اتفاق 17 أيار، اتفاق الذل والعار والخضوع للعدو المحتـ.ـل، الساعي لفرض الهيمنة "الإســـ..ـرائيـلية" بغطاء سياسي، بعد أن احتضنت شوارع العاصمة التظـ.ـاهرات المنددة، فكان مصير الاتفاق الزوال كما زال الـعـ.دو.
بيروت هذه، بيروت التاريخ المقـ.ـاوم الجميل، بيروت المقـ.ـاومات الشريفة، يراد لها اليوم أن تتحول إلى بيروت أخرى. يراد صناعة صورة لها على أنها "مخزن سـ.لاح غير شرعي"، ومدينة تؤوي "خارجين على القانون"، و"قاعدة انطلاق صـ.ـو اريخ".
صانع الصورة هذه ليس غبيًّا، إنه يعرف ماذا يفعل، والذي خلفه والذي دفعه لهذا يعرف أكثر منه ماذا يفعل، يريدون خلق الخلاف بين أهل وسكان بيروت، وهم نموذج عن كل لبنان، لأنهم من كل طوائفه ومذاهبه، وبين النازحين إليها بسبب الـعـ.دوان "الإســـ..ـرائيـلي"، ثم يريدون تشويه صورة حــ.ـزب الله والمقـ.ـاومة الإسلا مية، بزعم أن المقـ.ـاومة تخفي سـ.لاحها في العاصمة بين المواطنين.
ادعاء أن بيروت "مخزن سـ.لاح" يهـ.ـدف إلى نزع الشرعية عن تاريخها المقـ.ـاوم، وتحويلها من مدينة مواجَهة إلى مدينة متّهمة. لكنّ بيروت تبقى بيروت، العاصمة التي تلتقي فيها الآراء المتفقة على تأييد المقـ.ـاومة في مـ..ـواجهة عـ..ـدوّ لم يتوقف يومًا عن الاعتـ.ـداء على لبنان.
هل يريد المفترون الانتقام من بيروت، اليوم، لأنها بأبنائها ومقـ.ـاومتها واجهت الـعـ.دو حتى صرخ: "يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا نحن منسحبون"؟ هل يريدون الانتقام من تاريخ خالد علوان ورفاقه؟ هل يريدون الانتقام من بيروت لأنها أسقطت اتفاق الذل اتفاق 17 أيار؟ ثم هل كانت بيروت "مخزن سـ.لاح غير شرعي" في كل هذه المناسبات التي ذكرناها؟
بيروت أكبر من أكاذيب مفتراة، بيروت مدينة كُتبت هويتها بالدم والتضحيات، وصنعت موقعها حاضنةً للمقـ.ـاومة بفعل أبنائها وسكانها، وعلى الرغم من كل محاولات التشويه والكذب، تبقى حقيقة بيروت أنصع من أن تُحجب: بيروت، حين تُستهـ.ـدف، تقاوم، وحين تُتّهم تردّ بالفعل لا بالكلام.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :