هدد دونالد ترامب خلال الشهر الجاري نيسان 2026 بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية بل وتدمير حضارتها إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق وقال بالحرف: "بأن حضارة بأكملها ستموت الليلية ولن تعود أبداً "
كما وصف دونالد ترامب الشعب الإيراني (بالحيوانات) خلال رده على صحافي حول كيفية تدمير البنية التحتية.
يعتبر أرنولد توينبي خلال دراسته صعود وسقوط 21 حضارة إنسانية، ويقول:" أي تهديد بتدمير حضارة من الخارج هو مجرد وهم تاريخي، لأن الحضارات لا تسقط بفعل السيوف والطائرات والقنابل، بل بسقوط نخبها وعجزها عن الاستجابة لتحديات عصرها" (نظرية توينبي في التحدي والاستجابة).
تعريف الحضارة:
الحضارة وحسب التعريف العلمي هي نظام اجتماعي متكامل يُتيح للإنسان تطوير الإنتاج الثقافي والمادي، ويقوم على عناصر أساسية مثل: الأخلاق، والعلوم والتاريخ، والقانون، والجغرافيا، والاقتصاد، والفنون. إذاً فهي ليست كما يراها ترامب على أنها مبانٍ وجسور وطرقات أو أي من المظاهر المادية، بل هي تراكم ثقافي وفكري يميز أمة عن أخرى كما يعكس قدراتها على التنظيم والإبداع. باختصار، الحضارة هي نظام جبار ومعقد.
أما بالعودة إلى ترامب، عندما هدد بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ويقول أن هذه الحضارة ستموت الليلية ولن تعود أبداً، فإن ترامب هنا لا يكشف فقط عن جهل بالتاريخ وفلسفته، بل عن محاولة منه أن يتحدى عمق القوانين التاريخية التي أكتشفها عمالقة الفكر الحضاري، كتوينبي، صموئيل نوح كريمر، طه باقر، فما تناوله ترامب عن تدمير الحضارة الفارسية أو الإيرانية اليوم التي تمتد جذورها إلى أكثر من 6000 عام، هو حديث جاهل إذ أن الأمم العريقة والجبارة لا تموت بالقتل، بل تنتحر فقط عندما تتخلى عن إبداعها، وهذا ما فعلته إيران طيلة تلك العقود الظالمة بحقها، نتيجة غياب (القانون الدولي والمحاكم الدولية على تنوعها).
الفرس والإسكندر:
في العام 330 ق م وقف الإسكندر المقدوني أمام برسيبوليس (تخت جمشيد) وهي العاصمة الأحمينية يبعد هذا الموقع مسافة 70 كلم شمال شرقي مدينة شيراز، وعمل المقدوني على إحراق القصور ونهب الكنوز، ومحا كل شيء يتعلق بالهوية الفارسية. لكن، وبعد رحيل المقدوني لم تمت الحضارة، بل عادت من جديد ثم أعادوا بناء إمبراطوريتهم من خلال السلالات الأشكانية(247 ق م -224 م) ثم الساسانية (224م-651 م). هنا ينطبق تماماً بما قاله توينبي بأن الحضارة التي تمتلك نخبة مبدعة تستجيب للتحدي بخلق جديد، لا يمكن لأي غزو خارجي أن يقتلها.
فارس وبلاد ما بين النهرين:
تُشير غالبية المصادر والمراجع إلى أن بابل وبلاد ما بين النهرين هي مهد الحضارات الإنسانية. وعندما أسس كوروش الإمبراطورية الفارسية سنة 550 ق م دخل بابل سنة 539 ق م لكنه لم يحرقها، بل على العكس احترم ديانتها وأعاد بناء المعابد واحترم تقاليدهم الشعبية، حتى اليهود إبان السبي البابلي ساعدهم وأوصل بعضهم إلى أورشاليم بل ووعدهم ببناء هيكلهم.
هذا النموذج لا يفقهه ترامب في استيعاب الحضارات لا تدميرها، وهذا ما جعل الإمبراطورية الفارسية تستمر نحو 220 سنة. وهنا يتجلى الفرق بين قائد يبني حضارة ضمن قوانين مهمة، وآخر جاهل يهدد بتدمير الحضارات وإعادتها إلى العصر الحجري. والذي يرغب بالاطلاع على التفسير العلمي للعصر الحجري يمكنه العودة إلى صفحة الأستاذ غسان الشامي على فايسبوك حيث قدم درساً مهماً من خلال شرح مفصل عن مراحله التاريخية.
الفرس والمغول:
خلال القرن الثالث عشر الميلادي، اجتاح هولاكو بلاد فارس. وكما أسلافه من الهدامين، أقدم هولاكو على إحراق المدن، وقتل الكثير، ودمر المكتبات ونهب كل شيء. وبعد جيل أو جيلين أصبح المغول يتقنون الفارسية، بل وأصبحوا من المسلمين، وأخذوا يدافعون عن بلاد فارس، وتقول بعض المصادر إن أحد أحفاد هولاكو السلطان أولجايتو حكم (1304-1316 م) بنى مدينة سلطانية الفارسية (تقع في محافظة زنجان، شمال غرب إيران، وتبعد حوالي 240 كلم عن العاصمة طهران).
وهنا يصدق توينبي أيضاً بقوله: "الحضارات تتعرض للتحديات باستمرار، وقدرتها على الاستجابة تحدد الفناء أو البقاء". فعلاً الفرس أتقنوا فن الاستجابة بشكل ممتاز.
الفرس والصمود الأسطوري:
ولحسن حظ الإيرانيين، وبفعل فهمهم لمعادلة الاستجابة والتحدي، أنهم لم يكونوا يوماً معزولين إذ تعرضوا لحصارات متكررة، من الرومان، إلى العرب، والترك، والمغول، ثم البريطانيين والروس، واليوم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وبعض دول الخليج العربي. لكن، غالباً ما تعود بأشكال جديدة.
هذا الصمود الأسطوري جعل من تهديدات ترامب وبنيامين نتنياهو سخيفة وضعيفة أمام أي قارئ للتاريخ وفلسفته، فالحضارة القادرة على استيعاب الغزاة ودمجهم ضمن بنيتها الحضارية، هي حضارة فعلاً لا تُهزم. ليتبين أن ترامب وشركائه فعلاً لم يفتحوا حتى كتاب واحد من تاريخ الأمم والحضارات (خلي التكنولوجيا تنفعكن)
الفرس والروح:
نعم، قد يظن البعض أن القوة العسكرية التي تحلت بها الولايات المتحدة الامريكية و(إسرائيل) قادرة على تدمير المدن والجسور والبنية التحتية، وقتل البشر، لكن يبقى السؤال الحضاري والثقافي: هل تستطيع كل تلك القوى التدميرية أن تقتل ذاكرة الشعب، عاداته، وتقاليده، وتاريخه الذي اختُزن منذ القدم؟
الجواب طبعاً لا. هنا وفي هذا السياق يؤكد توينبي "أن الحضارة التي تمكنت من النهوض من تحت الدمار الذي سببه المهدّمون ومدمّرو الحضارات، ستنهض مجدداً من تحت الدمار الذي سببه الأمريكي و(الإسرائيلي) اليوم. وكما قال نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف:" إيران ليست مجرد حادثة في التاريخ، بل هي التاريخ نفسه".
في الختام نقول: أن الحضارة التي تعرف كيف تحول الدمار إلى بناء واستمرارية، لا يمكن لأي تهديد أن يوقف زمنها وتطورها.
فعلى ترامب ونتنياهو وباقي الأطراف ألا ينسوا دروس التاريخ الحضاري والثقافي في العالم.
بيروت في الثامن من نيسان 2026
نجا حماده الباحث في علم التاريخ.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :