آيكون نيوز – بيروت: أسفرت الحرب في إيران عن تداعيات جيوسياسية واسعة النطاق على صانعي القرار في جميع أنحاء العالم. فمن ارتفاع أسعار الطاقة إلى إغلاق ممرات الشحن الرئيسية، يسعى القادة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأستراليا جاهدين للتخفيف من آثارها السلبية. إلا أن ثمة تداعيات أخرى بدأت تكتسب اهتماماً متزايداً نتيجةً للحرب في إيران، ألا وهي تدهور العلاقات عبر الأطلسي.
وانتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً وتكراراً عدم رغبة حلفاء واشنطن في الناتو في إرسال أسطول بحري لإعادة فتح مضيق هرمز، كما اشتكى وزير الخارجية ماركو روبيو من أن بعض الشركاء الأوروبيين لأمريكا يقيدون استخدام القواعد الجوية للعمليات ضد إيران.
يأتي هذا التدهور في العلاقات عبر الأطلسي في وقت عصيب بالنسبة للحلف. فنحن الآن ضمن العد التنازلي لمئة يوم قبل انعقاد قمة الناتو المقبلة في يوليو/تموز، والمقرر عقدها في أنقرة. ومن المصادفة أن الناتو كان مسؤولاً بالفعل عن إسقاط أربعة صواريخ إيرانية كانت موجهة نحو تركيا، مما يجعل القمة المقبلة المرة الأولى التي يضطر فيها الحلف لحماية المجال الجوي لدولة مضيفة.
من الواضح أن الأمور لن تسير كالمعتاد. يجب الآن التخلي عن أي أجندة كان الدبلوماسيون يعملون عليها سرًا في الفترة التي سبقت ذلك. فبدلًا من أن يركز التحالف على أجندة طموحة وقوية، فقد حان الوقت لخفض سقف التوقعات والتركيز على إصلاح العلاقات عبر الأطلسي.
وهنا تكمن المصادفة الجيدة في انعقاد القمة في تركيا. فقد استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال السنوات الأخيرة، توظيف قيادته لتقريب وجهات النظر بين مختلف أطراف التحالف، كما أنه بنى علاقة طيبة مع ترامب، وهو ما قد يصب في مصلحة قادة أوروبيين آخرين. وستختبر القمة براعة أردوغان في هذا الصدد.
من الواضح أن الحرب في إيران هي الشغل الشاغل للولايات المتحدة وترامب. وحتى لو توقف القتال غداً، فإن التداعيات الجيوسياسية ستستمر لأشهر. لذا، ينبغي على حلف الناتو أن يُعدّل مؤتمره القادم ليتناول هذا الواقع.
بالإضافة إلى إعادة العلاقات الأمريكية الأوروبية إلى مسارها الصحيح، هناك مجالان سياسيان آخران يجب أن يكونا واضحين على الفور.
أولها إيجاد أرضية مشتركة بشأن الدفاع الجوي. تُبرز دروس الحرب في أوكرانيا، إلى جانب هجمات إيران على دول الخليج، صعوبة الدفاع عن المجال الجوي في الحروب الحديثة. وتتراوح التحديات بين أوجه القصور في القاعدة الصناعية الدفاعية، التي تُعاني من صعوبة إنتاج الأسلحة بالسرعة الكافية، والحاجة إلى أنظمة تتمتع بالتفوق التكنولوجي اللازم لتدمير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بطريقة فعّالة من حيث التكلفة. ينبغي لحلف الناتو وضع استراتيجية شاملة للدفاع الجوي تُعالج هذه القضايا على مستوى الحلف.
أما المجال الثاني فهو تعميق العلاقات مع دول الخليج. وكان آخر اجتماع لحلف الناتو في تركيا عام ٢٠٠٤ في إسطنبول، والذي أسفر عن مبادرة إسطنبول للتعاون التاريخية. ويُعدّ هذا الإطار الآن المنصة الرئيسية لانخراط الناتو مع دول الخليج. إلا أنه خلال السنوات اللاحقة، لم يُحرز تقدم يُذكر على الصعيد العملي في سبيل تطوير هذه الاستراتيجية.
ينبغي لحلف الناتو اغتنام الفرصة التي تتيحها إعادة عقد القمة في تركيا، بالتزامن مع الوضع الجيوسياسي الراهن في الخليج، لإعادة تنشيط هذه المبادرة. من شأن ذلك أن يُسهم في توطيد العلاقات بين الناتو ودول الخليج، ويجعل الحلف أكثر أهمية بالنسبة لترامب في وقتٍ يُشكك فيه بقيمة الناتو.
ويرتبط هذا أيضاً بمسألة الدفاع الجوي. فمع انتشار خبراء أوكرانيين في الخليج لتقديم المساعدة، يتضح وجود مصلحة مشتركة، تمتد من خليج فنلندا إلى خليج عُمان، في ضمان حماية الأجواء.
على أي حال، ثمة أمرٌ واحدٌ مؤكد: قمة الناتو ذات أهمية بالغة. فرغم الخطابات الصادرة من واشنطن، من غير المرجح أن تنسحب الولايات المتحدة من الحلف الذي دعم العلاقات عبر الأطلسي لأكثر من سبعة عقود. ولن يكون الانسحاب الأحادي من جانب ترامب غير شعبي سياسياً فحسب، بل سيكون صعباً قانونياً أيضاً. ففي عام ٢٠٢٣، قاد روبيو، الذي كان حينها عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي، جهوداً لتمرير تشريعٍ يُجرّم انسحاب أي رئيس من الحلف من جانب واحد دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ. وفي الوقت الراهن، لا توجد أي مؤشرات على أن مجلس الشيوخ سيؤيد مثل هذه الخطوة.
هناك أيضًا واقع جيوسياسي أوسع نطاقًا يجب أخذه في الاعتبار. لا تزال أوروبا ذات أهمية اقتصادية بالغة للولايات المتحدة، ما يجعل الانسحاب منها خيارًا غير عملي. وقد كشف تقرير حديث صادر عن غرفة التجارة الأمريكية أن 48 ولاية من أصل 50 تُصدّر إلى أوروبا أكثر مما تُصدّر إلى الصين، وأن ما يقرب من 60% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة يأتي من أوروبا، ما يدعم ملايين الوظائف الأمريكية. باختصار، يُعدّ حلف شمال الأطلسي (الناتو) الضامن الأمني الرئيسي لأكبر سوق تصدير أمريكية، وتعريض هذا الضامن للخطر ليس في مصلحة البلاد.
رغم أن العلاقات عبر الأطلسي قد تبدو متوترة اليوم، إلا أن الحلف قد مرّ بتقلبات مماثلة في الماضي وخرج منها أقوى. فخلال أزمة السويس عام 1956، كشفت الانقسامات العميقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الرئيسيين عن تصدعات خطيرة داخل الحلف الغربي. وفي عام 1966، سحب شارل ديغول فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة لحلف الناتو، مما أجبر الحلف على نقل مقره الرئيسي من باريس إلى بروكسل. كما أدت الخلافات حول حرب العراق عام 2003 إلى توتر العلاقات عبر الأطلسي مجدداً. وفي الآونة الأخيرة، أسفرت المخاوف التي سادت في بداية ولاية ترامب الأولى عن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتجدد الاهتمام بتقاسم الأعباء في حلف الناتو.
وفي ظلّ سعي صانعي السياسات على جانبي المحيط الأطلسي لوضع جدول أعمال عملي للقمة في ضوء التطورات في الشرق الأوسط، لا بدّ من ضبط الطموحات. ينبغي تحديد أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، لا سيما في المجالات التي تهمّ ترامب. وبقدرٍ كافٍ من الإبداع والإرادة السياسية، يُمكن تحقيق ذلك.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :