أزمة الطاقة: حكومة موريتانيا تقر إجراءات تقشفية مصحوبة بدعم اجتماعي… والمعارضة تحتج وساسة مختصون يستغربون «التهويل»

أزمة الطاقة: حكومة موريتانيا تقر إجراءات تقشفية مصحوبة بدعم اجتماعي… والمعارضة تحتج وساسة مختصون يستغربون «التهويل»

 

Telegram

في مواجهة أزمة الطاقة ووفقا لتوقعات تنذر بانعكاساتها الصعبة على البلد، اختارت الحكومة الموريتانية إقرار حزمة إجراءات مزدوجة تمزج بين التقشف المالي والتوسيع النسبي لشبكات الحماية الاجتماعية، في محاولة لاحتواء تداعيات ما تصفه الحكومة بـ»صدمة الطاقة العالمية».

وقد فجرت هذه السياسات التي بدت منسجمة مع توصيات المؤسسات المالية الدولية احتجاجات في الداخل، كما أثارت نقاشاً حاداً بين السلطة والمعارضة، بل وحتى داخل الأوساط الاقتصادية، مع أنها جاءت في لحظة اقتصادية تتسم باضطراب الأسواق العالمية وارتفاع كلفة الإمدادات.

وصادق مجلس الوزراء الموريتاني خلال اجتماعه الأسبوعي، على إجراءات شملت رفع أسعار المحروقات والغاز المنزلي بنسب متفاوتة، إلى جانب اعتماد تدابير تقشفية غير مسبوقة طالت نفقات الدولة ورواتب كبار المسؤولين، في مقابل الإعلان عن إجراءات اجتماعية لتعويض الفئات الهشة.

وحملت القرارات الجديدة زيادات لافتة في أسعار الغاز المنزلي، حيث قفز سعر القنينة الكبيرة إلى خمسة آلاف أوقية قديمة، مقابل ثلاثة آلاف سابقاً، فيما بلغت القنينة المتوسطة ألفين وأربعمائة أوقية، والصغيرة نحو ألف ومائة أوقية، مع الإبقاء على دعم جزئي.

أما المحروقات فقد ارتفع سعر الكازوال بنحو عشرة في المئة، والبنزين بأكثر من خمسة عشر في المئة، في ثاني زيادة خلال فترة قصيرة.

وتعكس هذه الأرقام، وفق مراقبين، تحولاً تدريجياً نحو رفع الدعم عن الطاقة أو تقليصه، في إطار سياسة ربط الأسعار بالسوق الدولية، وهو خيار سبق أن أثار جدلاً واسعاً منذ الإعلان عنه.

في المقابل، وجّه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحكومة إلى مرافقة هذه الإجراءات بحزمة اجتماعية، شملت رفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسين ألف أوقية قديمة بدل 45 ألف أوقية، وزيادة التحويلات النقدية المباشرة بنسبة تتجاوز 27% لصالح أكثر من 124 ألف أسرة، إضافة إلى تحويل مالي مباشر بقيمة ثلاثين ألف أوقية لكل أسرة مستفيدة.

كما تم تخصيص دعم استثنائي لعمال القطاع العام ذوي الرواتب المحدودة، في خطوة تهدف إلى امتصاص جزء من أثر ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية.

غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على تعويض الارتفاع السريع في كلفة المعيشة، خاصة في ظل هشاشة البنية الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر.

وفي جانب رمزي، أعلنت الحكومة إجراءات لتقاسم «أعباء المرحلة»، شملت اقتطاع جزء من رواتب كبار المسؤولين حتى نهاية العام، حيث تنازل الرئيس عن مليون أوقية قديمة من راتبه شهرياً، مع تخفيضات متفاوتة في رواتب الوزير الأول وأعضاء الحكومة.

كما أقرت تدابير لترشيد الإنفاق العمومي، من بينها تقليص البعثات الخارجية، والحد من تنظيم الورشات، وفرض قيود على حركة السيارات داخل المدن بعد منتصف الليل، في مسعى لتقليل استهلاك الوقود وخفض النفقات.

لكن ما أقرته الحكومة من إجراءات لم يمر دون ردود فعل سياسية قوية، إذ اعتبرت مؤسسة المعارضة الديمقراطية أن الزيادات «اتخذت بشكل مرتجل ولا يبررها الوضع العالمي»، مؤكدة أنها تمس مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين.

ورأت المعارضة أن الإجراءات «مجحفة» وقد تؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي، داعية إلى مراجعتها، خاصة ما يتعلق بالأسعار، وتوسيع نطاق الدعم ليشمل فئات أوسع، مع تعزيز الشفافية في إدارة الموارد.

كما طالبت الحكومة بالكشف عن خططها المتعلقة بتأمين الاحتياطيات وتنويع مصادر التزويد، إلى جانب تشديد الرقابة ومحاربة الفساد، معتبرة أن إدارة الأزمة يجب أن تكون «مسؤولية مشتركة».

وقد حذر منتدى المستهلك الموريتاني من أن زيادة أسعار المحروقات «تضرب في الصميم القوة الشرائية»، وتفاقم هشاشة الوضع الاجتماعي.

وأكد المنتدى في بيان له، أن القرارات لم تراع واقع الأسر محدودة الدخل، داعياً إلى البحث عن بدائل تحقق التوازن بين متطلبات إدارة الموارد وحماية المستهلك، مع إشراك ممثلي المواطنين في صياغة السياسات الاقتصادية.

وسط هذا الجدل، برزت مواقف لخبراء ماليين وسياسيين سابقين تشكك في مبررات الحكومة، معتبرة أن الخطاب الرسمي يميل إلى «التهويل» لتبرير إجراءات غير شعبية.

وفي هذا السياق، تساءل وزير المالية السابق سيدي أحمد ولد ديه، عن جدوى رفع أسعار الغاز في بلد بدأ إنتاجه، معبّراً عن خيبة أمل من عدم انعكاس الثروات الطبيعية على حياة المواطنين.

وأشار الوزير السابق إلى أن موريتانيا، التي تزخر بالموارد من غاز وحديد وذهب، كان يُفترض أن تستفيد من هذه الثروات في تخفيف كلفة المعيشة، لا زيادتها، في تلميح إلى فجوة بين الإمكانات الاقتصادية والنتائج الاجتماعية.

ويرى بعض المختصين أن الأسواق العالمية، رغم تقلباتها، لا تبرر بالضرورة هذا المستوى من الزيادات، خاصة في ظل وجود بدائل مثل إعادة توجيه الدعم أو تحسين كفاءة الإنفاق العمومي بدل تحميل المواطن العبء الأكبر.

بين التوازن والاحتقان

وتعكس هذه الإجراءات التي اتخذتها الدولة، في مجملها، محاولة حكومية لتحقيق توازن دقيق بين استقرار المالية العامة والحفاظ على السلم الاجتماعي، عبر مزيج من رفع الأسعار وتوسيع الدعم المباشر.

غير أن نجاح هذا التوازن يبقى رهين عاملين أساسيين: قدرة الدولة على ضبط الأسعار ومنع المضاربات، ونجاعة آليات الدعم في الوصول إلى مستحقيه.

وفي ظل احتقان اجتماعي متصاعد، تبدو موريتانيا أمام معادلة معقدة: كيف يمكن عبور أزمة الطاقة بأقل الخسائر، دون أن تتحول إجراءات التقشف إلى شرارة أزمة اجتماعية أوسع؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram