بين الميدان والسياسة: خطاب يتشكّل على وقع النار… والرسائل تتجاوز الجبهات

بين الميدان والسياسة: خطاب يتشكّل على وقع النار… والرسائل تتجاوز الجبهات

 

Telegram

 

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يبدو أن المعركة تُدار فقط على خطوط التماس، بل أيضًا في الفضاء السياسي والإعلامي، حيث تتبلور ملامح خطاب جديد يسعى إلى إعادة رسم التوازنات الداخلية والخارجية على حدّ سواء. فالميدان، وفق هذا التوجّه، لم يعد مجرّد ساحة مواجهة عسكرية، بل تحوّل إلى مرجعية تُبنى عليها السردية السياسية بكاملها.

 

في صلب هذا الخطاب، يبرز التركيز على حالة الإرباك التي يعيشها العدو الإسرائيلي، ليس فقط نتيجة الضربات المباشرة، بل بسبب نمط قتال غير تقليدي أربك حساباته. الحديث هنا عن مقاومة تتحرّك بمرونة عالية، تضرب حين تتاح الفرصة، وتناور حين تشتد الضغوط، وتُعيد تموضعها بما يحول دون تثبيت أي معادلة ميدانية مستقرة. هذا الأداء، وفق القراءة المتداولة، لا يهدف فقط إلى الصمود، بل إلى استنزاف طويل النفس يُفقد الخصم القدرة على الحسم.

 

وفي خلفية المشهد، يُراد إبراز أن كل تقدّم محدود أو التفاف ميداني للعدو ليس سوى دليل على كلفة المواجهة، وأن عجزه عن فرض سيطرة ثابتة في بعض المناطق يشكّل بحد ذاته إنجازًا نوعيًا، يُراكم لصالح معادلة ردع مختلفة عمّا كان سائدًا في السابق.

 

لكن ما هو أبعد من الميدان، هو محاولة تثبيت فكرة أن أي مسار سياسي لا يزال سابقًا لأوانه. فالمبادرات المطروحة، وفق هذا المنطق، لم تنضج بعد، ولم ترتقِ إلى مستوى التسويات الفعلية، ما يجعل “الوقت الميداني” هو العنصر الحاسم في رسم الاتجاهات. ومن هنا، تُعاد صياغة الشروط الأساسية لأي حل: وقف شامل للعمليات، انسحاب كامل، معالجة ملف الأسرى، وعودة الأهالي كمدخل لإعادة الإعمار.

 

في الداخل اللبناني، يتخذ الخطاب بعدًا أكثر حساسية. فهناك سعي واضح لتكريس معادلة مزدوجة: من جهة، تأكيد متانة التحالفات القائمة داخل ما يُعرف بـ”الثنائي الوطني”، ومن جهة أخرى، فتح مواجهة سياسية وإعلامية مع خصوم الداخل، ولا سيما أولئك الذين يرفعون سقف الخطاب ضد المقاومة.

 

وفي هذا السياق، يُطرح اسم سمير جعجع كعنوان بارز في الاشتباك السياسي، حيث يُقدَّم خطابه على أنه يتجاوز المعارضة التقليدية إلى ما يشبه التموضع في سياق ضغوط خارجية، أو مزايدات داخلية على موقع الرئاسة. هذه القراءة لا تأتي بمعزل عن اتهامات أوسع تُوجَّه إلى بعض القوى، تتعلّق باستدعاء تدخلات خارجية، أو حتى الترويج لخيارات دولية حساسة كـ”الفصل السابع”، وهي طروحات يُنظر إليها كخطوط حمراء تمسّ السيادة وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة.

 

في المقابل، يسعى الخطاب نفسه إلى إبراز صورة مغايرة للمجتمع اللبناني، تقوم على التضامن مع النازحين، واستمرار أشكال التكافل رغم الضغوط، في محاولة لتكريس فكرة أن الحاضنة الشعبية لا تزال متماسكة، وأن الانقسام لم يتحوّل إلى واقع شامل.

 

أما على مستوى العدو، فثمة تركيز متزايد على مؤشرات التصدّع الداخلي: خلافات سياسية، انتقادات حادة لقيادات عسكرية، وتنامي القلق داخل المجتمع الإسرائيلي من كلفة الحرب. كل ذلك يُستخدم لتعزيز سردية أن المعركة ليست فقط على الحدود، بل في عمق البنية النفسية والسياسية للخصم.

 

في المحصلة، يتشكّل خطاب مزدوج الوظيفة: تعبوي في الداخل، وضاغط في الخارج. خطاب يراهن على الوقت، وعلى استنزاف الخصم، وعلى منع الانزلاق الداخلي نحو الفتنة، مع إبقاء البوصلة موجّهة نحو عنوان واحد: أن ما يُحسم في الميدان، هو ما يرسم حدود السياسة لاحقًا.

 

 

في الكواليس، لا تبدو المعركة الإعلامية أقل شراسة من الميدان. فكل كلمة محسوبة، وكل توصيف يُبنى بعناية، ليس فقط لتثبيت رواية، بل لتمهيد الأرض لما بعد النار… حيث تُكتب التسويات على إيقاع ما فُرض بالقوة، لا بما طُرح على الطاولة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram