كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
في عالم العلاقات الدولية، ليست القرارات الدبلوماسية الكبرى وليدة اللحظة ولا تُبنى على الانفعال، بل تستند إلى توازن دقيق بين الدستور والسياسة والمصالح العليا للدولة. ومن بين أكثر هذه القرارات حساسية، يأتي إعلان سفير أجنبي “شخصًا غير مرغوب فيه”، وهو إجراء لا يعبّر فقط عن موقف سياسي، بل يكشف أيضًا عن بنيان دستوري واضح ينظّم كيفية ممارسة لبنان لسيادته في علاقاته الخارجية.
هل تعلم أنّ قرار سحب الاعتماد من سفير أجنبي في لبنان لا يصدر بقرار منفرد ولا يتم باندفاع سياسي آني، بل يخضع لمسار دستوري–دبلوماسي متكامل؟ فالمرجعيات التي ترسم السياسة الخارجية في لبنان واضحة في الدستور، وتحديدًا في المواد 52 و 65، وهما الأساس الذي يستند إليه أي قرار من هذا النوع.
تنصّ المادة 52 من الدستور اللبناني على أنّ رئيس الجمهورية “يتولّى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء”. وهذه المادة، وإن كانت تخصّ المعاهدات، إلا أنّ الاجتهاد الدستوري رسّخ دور رئيس الجمهورية باعتباره الممثل الأعلى للدولة في علاقاتها الخارجية، ما يمنحه موقعًا مركزيًا في أي خطوة دبلوماسية حسّاسة، ومنها إعلان سفير أجنبي شخصًا غير مرغوب فيه.
أما المادة 65، التي تحدد صلاحيات مجلس الوزراء، فتشير إلى أنّ المجلس هو الذي “يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات”، بما فيها السياسة الخارجية. وهذا يعني أنّ قرارًا بهذا الوزن لا يمكن أن يصدر إلا ضمن تفاهم داخل السلطة التنفيذية، لأن تبعاته تتقاطع مع الأمن القومي وصورة الدولة في الخارج.
بعد هذا المسار السياسي–الدستوري، تأتي المرحلة التنفيذية التي تضطلع بها وزارة الخارجية والمغتربين. وهنا يبرز دور اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، وتحديدًا المادة 9 التي تمنح الدولة حق إعلان أي سفير “شخصًا غير مرغوب فيه” بلا حاجة إلى تبرير الأسباب. ويُعطى السفير بموجبها مهلة للمغادرة، وإذا امتنع، تستطيع الدولة أن تسحب صفة الاعتماد الدبلوماسي عنه، ما يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الحصانات والامتيازات التي كان يتمتع بها.
وهكذا، يتضح أنّ قرار سحب الاعتماد هو سياسي في جوهره، دستوري في أساسه، ودبلوماسي في آلياته. وهو يعكس قدرة الدولة على ممارسة سيادتها ضمن قواعد القانون الدولي، من دون الإخلال بالأعراف التي تنظّم علاقتها بسائر الدول. وفي نهاية المطاف، تبقى الدبلوماسية مرآة السيادة، تُعلن ما لا يُقال، وترسم بقراراتها حدود الاحترام بين الدول.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :