د. نبيلة عفيف غصن
لم يعد الأمر زلّة لسان، ولا حتى خطابًا سياسيًا متطرفًا. نحن أمام انكشافٍ كامل لعقيدةٍ ترى العالم ساحةَ إخضاع، والإنسان مادةً في مشروع قوة. حين يجرؤ نتنياهو على وضع المسيح في ميزانٍ واحد مع جنكيزخان، فهو لا يقارن بين شخصيتين، بل ينقلب على منظومة القيم التي قامت عليها البشرية: من رسالة الرحمة إلى فلسفة السيف، من معنى الخلاص إلى نشوة الإبادة.
المسيح، في الوجدان المسيحي، ليس مجرد نبي أو مصلح؛ هو قلب الإيمان، ومعنى التضحية، وأفق المحبة. وفي الإسلام، هو “روحٌ من الله وكلمته”، مقامٌ روحي رفيع يتجاوز التاريخ إلى المعنى. لذلك، فإن التطاول عليه ليس استفزازًا سياسيًا عابرًا، بل إهانةٌ مباشرة لمليارات البشر. ومع ذلك، يمرّ هذا الكلام كأنه خبرٌ عادي. هنا تحديدًا يبدأ الخلل: حين تُهان الرموز الكبرى ولا يرتفع صوتٌ يوازي حجم الإهانة.
ما الذي يقوله نتنياهو فعليًا؟
إنه يقول إن القوة العارية هي الحقيقة الوحيدة. يقول إن من يفتح المدن بالنار أحقّ بالتمجيد ممن يفتح القلوب بالمعنى. يقول إن التاريخ يُكتب بعدد القتلى لا بعمق الرسالة. وهذا، في جوهره، إعلان حربٍ على كل ما تمثّله الديانات السماوية من قيم: الرحمة، العدالة، والكرامة الإنسانية.
لكن الأخطر من التصريح هو ما يكشفه من بنية تفكير:
هذا ليس خطاب رجلٍ منفصل عن سياقه، بل تعبير عن عقلٍ سياسي–ديني يرى نفسه فوق المعايير، ويعيد صياغة الصراع على أساس التفوق والإلغاء. من هنا نفهم لماذا تتحول الحرب إلى إبادة، ولماذا يصبح المدني هدفًا، ولماذا تُمسح المدن بلا تردد. لأن من يقيس نفسه بجنكيزخان، لا يرى في الآخر إلا عقبة.
وفي المقابل، يقف العالم — مسيحيًا وإسلاميًا — في حالة صمتٍ مريب.
أين الكنائس التي تُبشّر برسالة المسيح؟ أين المؤسسات الدينية التي تمتلئ خطبًا عن الكرامة والحق؟ أين الدول التي تدّعي حماية القيم؟ كيف يُهان المسيح، ويُختزل إلى مقارنةٍ مع رمزٍ تاريخي للدمار، ولا يتحول ذلك إلى قضية عالمية؟
أما في العالم الإسلامي، فالمفارقة أشد قسوة. عالم المليار يؤمن بالمسيح نبيًا عظيمًا، ويقرأ في قرآنه تبجيله، يقف عاجز عن صياغة ردٍّ بحجم التحدي. ليس العجز هنا في القدرة، بل في الإرادة. لقد تحوّل الصمت إلى سياسة، والتبرير إلى خطاب، والتجزئة إلى قدر. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يفقد الإنسان حساسيته تجاه الإهانة، يصبح قابلًا لكل أشكال الإخضاع.
إن استحضار جنكيزخان ليس تفصيلاً لغويًا، بل إعلانٌ صريح عن النموذج الذي يُراد فرضه:
نموذج يقوم على الرعب، ويُدار بالقوة، ويُشير الى الإبادة بوصفها أداة. وهذا ما نراه يتجسّد على الأرض: مدن تُقصف، شعوب تُحاصر، ودمٌ يتحول إلى أرقام. إنها ليست حربًا فقط، بل إعادة تعريف للعالم وفق منطق الغلبة.
في مواجهة هذا المشهد، لا يكفي الغضب، ولا تكفي البيانات. المعركة هنا أعمق:
هي معركة على المعنى نفسه. على تعريف القوة: هل هي القدرة على القتل، أم القدرة على حماية الحياة؟ وعلى تعريف التاريخ: هل يُكتب بالدم، أم بما يتركه الإنسان من أثرٍ في ضمير البشرية؟
لقد قال نتنياهو ما يريد بوضوحٍ فجّ. أما نحن، فما زلنا نتردد بين الإدراك والإنكار.
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي هذه:
حين يُهان المسيح ولا يُدافع عنه، فالمشكلة لم تعد في من أهان، بل في من صمت.
وبين سيفٍ يُرفع ليُخضع العالم، وقيمةٍ تُداس بصمت، يتحدد المصير.
فإما أن يُعاد الاعتبار للإنسان كقيمة،
أو يُترك المجال لجنكيزخان — بثوبٍ حديث — ليكتب التاريخ من جديد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :