"سلامٌ مشروط بالنار: الشرق الأوسط في أخطر مراحله"

عندما تسقط بازل 3: حرب واحدة تكفي لفضح كذبة النظام المصرفي العالمي… ولبنان أول الضحايا

 

Telegram

كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر

في عالم يبدو أن الثقة فيه سلعة نادرة، والصراعات الكبرى تُعيد رسم الخرائط المالية والسياسية، يقف النظام المصرفي العالمي محاصراً بين نصوص قانونية صماء وقوة لا تعرف التراجع. هنا، حيث تتقاطع السياسة بالحسابات، يظهر السؤال الأكبر: هل القواعد المصرفية تصنع الأمان، أم أنها مجرد غطاء يختبئ خلفه الهشّاشة؟

منذ إقرار اتفاقية بازل 3، روّجت المؤسسات المالية العالمية لفكرة أن النظام المصرفي بات أكثر أماناً، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. غير أنّ هذه الصورة الوردية تخفي حقيقة أكثر قسوة، مفادها أن هذه المعايير لم تُصمَّم لمواجهة الحروب، بل لتجميل نظام هشّ يقوم على الثقة المصطنعة أكثر مما يقوم على أسس صلبة.

ومع تصاعد احتمالات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يتبيّن أن ما يُقدَّم كتحصين مصرفي قد لا يكون سوى وهم قانوني وتقني. فهذه المعايير، الصادرة عن لجنة بازل للرقابة المصرفية، ليست اتفاقية ملزمة، بل إطار تنظيمي قابل للتكيّف والتجاوز وفق مصالح الدول، ما يفرغها من قوتها عند أول اختبار جدي.

الحروب لا تعترف بنسب السيولة ولا بكفاية رأس المال، بل تعيد تعريف المخاطر من أساسها. فمجرد اضطراب في مضيق هرمز كفيل بإشعال أزمة طاقة عالمية ترفع التضخم وتدفع المصارف المركزية إلى سياسات نقدية قاسية، ما يضغط على الائتمان ويزيد احتمالات التعثر. في هذه اللحظة، لا تعود المؤشرات التقنية كافية، لأن الأزمة تتحول من مالية إلى وجودية.

قانونياً، يُفترض أن ينظم ميثاق الأمم المتحدة سلوك الدول، من خلال حظر استخدام القوة وتنظيم حق الدفاع عن النفس، إلا أنّ التجارب أثبتت أن القانون الدولي يتراجع أمام موازين القوة، وأن النصوص تُستخدم غالباً لتبرير النزاعات بدل منعها. وفي موازاة ذلك، تتيح قواعد منظمة التجارة العالمية للدول اتخاذ تدابير استثنائية تحت ذريعة الأمن القومي، فيما تفرض قواعد صندوق النقد الدولي التزامات نقدية ومالية سرعان ما تتآكل عند الأزمات الكبرى.

الأخطر أن النظام المالي نفسه لم يعد محايداً، بل تحوّل إلى أداة ضغط. فمن خلال وزارة الخزانة الأميركية، تُفرض العقوبات وتُجمّد الأصول ويُعاد رسم حدود الوصول إلى النظام المالي العالمي. هنا، لا تعود المشكلة في متانة المصرف، بل في قدرته على البقاء ضمن المنظومة المالية أصلاً.

في هذا المشهد، يقف لبنان ليس كمجرد متأثر، بل كنموذج حيّ لانهيار ما تدّعيه هذه القواعد. فقد أثبتت تجربته أن وجود المعايير لا يمنع الانهيار، وأن النصوص لا تحمي في غياب التوازنات الاقتصادية الفعلية. فالنظام المصرفي اللبناني فقد سيولته وقيّد الودائع وتراجع عن التزاماته الدولية، في مشهد يعكس بوضوح حدود أي إطار تنظيمي مهما بدا متقدماً. ومع أي تصعيد إقليمي محتمل، تتضاعف هشاشة لبنان، حيث يتداخل ضعف النظام المصرفي مع الاعتماد الكبير على الخارج والتأثر المباشر بتقلبات المنطقة. عندها، يصبح أي اضطراب عالمي مضاعف الأثر داخلياً، وتتحول الأزمة من مالية إلى أزمة ثقة شاملة قد يصعب احتواؤها.

حين تنهار القواعد ويختفي الوهم، يتكشف النظام المصرفي على حقيقته، ولُبنان يقف هناك بلا درع، كمرآة لكل هشاشة العالم. في عالم يُباع فيه الأمان بالوعود، تظل الحرب الوحيدة القادرة على كشف الحقيقة، ولبنان هو الشاهد الحي على كل ما يُخفيه النظام العالمي عن أعيننا. لا تضلّلنا نسب السيولة ولا خطط الطوارئ… الصدمات الكبرى لا تُقاس بالقوانين، بل بحقيقة الصمود، ولبنان يصرخ بما لم تعد القواعد تستطيع حمايته منه.

بين بازل 3 وميثاق الأمم المتحدة، وبين النصوص الدولية والوهم المالي، يبقى درس واضح: القوة لا تُقاس بالقواعد، بل بمدى قدرة النظام على الصمود عندما تنهار كل المعايير… وعندما يحين وقت الصراحة، لا يُخفى إلا ما هو حقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram