أهداف الحرب المتنوعة ومآلاتها

أهداف الحرب المتنوعة ومآلاتها

 

Telegram

بصرف النظر عن حجم المسؤولية عن اندلاع الحرب الضروس الجارية بين الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل من جهة، وإيران وما تبقى من حلفائها من جهة ثانية؛ فهي بواقع الحال عدوان بدأه الفريق الأول من دون أي مسوِّغ دولي مشروع، بينما تحوَّل جزء كبير من الرد او الدفاع عن النفس من الجهة الثانية، إلى عدوان على جيران إيران، وسبباً رئيسياً للأذى الذي وقع على لبنان بوجه التحديد. ومن الواضح أن لهذه الحرب الخبيثة أهدافاً، منها مُعلن ومنها غير مُعلن، ولها انعكاسات ونتائج قد لا تكون متوقعة من حيث حجمها وأخطارها.

 
هناك جدال واسع حاصل في الأوساط الأميركية حول ما إذا كانت واشنطن قد خاضت الحرب من أجل مصالح إسرائيل، أو أنها دخلتها بالتعاون معها لتحقيق أهداف استراتيجية تمنع أي خطر عن الولايات المتحدة في المستقبل، لا سيما الخطر الذي قد ينتج عن امتلاك إيران لأسلحة نووية وصواريخ قادرة على الوصول الى الأراضي الأميركية. فوق هذا الجدال؛ يبدو واضحاً أن لكل من الدولتين المُحاربتين أهداف مختلفة في بعض الجوانب، ولإيران أهداف أيضاً من وراء رفضها للتنازلات إبان المفاوضات التي سبقت الحرب، وبعض هذه الأهداف متوقفة على مآلات هذه الحرب وكيفية انتهائها.
 
إسرائيل هي الرابح الأكبر حتى الآن، بصرف النظر عن الأضرار التي لحقت ببعض مرافقها من جراء القصف الصاروخي والمسيرات الانقضاضية التي وُجهت اليها من إيران ومن جنوب لبنان، وهي أصبحت أكثر تمكُناً بفرض حضورها في المنطقة الشرق أوسطية برمتها، ولديها القدرة على تعطيل أي مشروع اقتصادي مستقبلي لا توافق عليه، كما أن الطريق أمام مخططاتها الخبيثة التي تستهدف إقامة كيانات تدور بفلكها في المحيط؛ أصبحت أكثر تأهيلاً، وشراهة عدوانها على الضفة الغربية ستتزايد، مُستغلةً انشغال العالم بمآسي الحرب، وبدا أنها تُضاعف من وتيرة استيلائها على أراضي الفلسطينيين بغطاء من قوانين واهية، آخرها بدعة حماية الرعاة المستوطنين، عن طريق فرض شرائط عازلة حول مراعيهم تمتد على مساحة كلم مربع واحد لكل راعٍ.
 
أما الولايات المتحدة؛ فهي أحكمت قبضتها الأمنية على المفاصل الأساسية للمنطقة برمتها، أكثر مما كان عليه الحال قبل الحرب، وتكمنت من تعطيل غالبية حلقات "مشروع الحزام والطريق الصيني"، وهو يربط بكين بغرب آسيا وأوروبا، وإيران حلقة رئيسية فيه. كما أنها شدَّدت رقابتها على مصادر الطاقة التي تحتاجها الدول المنافسة لها في أقصى الشرق وفي أوروبا، ويمكننا أن نعتبر أن بين نجاحاتها إبعاد مخاطر المشروع النووي والبرنامج الصاروخي البالستي الإيراني. لكن الوقائع بيَّنت وجود خسائر كبيرة تكبدتها أيضاً؛ فقد تأكد أن الإدارة الأميركية الجديدة خسرت بعض التأييد في أوساط الرأي العام، كما بعض الحلفاء المُمتعضين من عدم التنسيق معهم بهذه الفعلة الكبيرة، وهي زادت من منسوب الخشية عند أخصامها في الصين - وعلى درجة أقل في روسيا – من طموحاتها التي تهدف لتكريس أحادية قطبية لا يوافقون على استمرارها على الإطلاق، وقد لا تستطيع واشنطن توفير عناصر هزيمة كاملة لإيران، والهزيمة بهذه الحالة مستحيلة من دون إحداث تغيير جوهري للنظام، ولا يبدو أن ذلك متاح حتى الآن.
 
طهران خسرت الرهان في اعتبارها أن التهديد الذي وجِّه لها قبل 28 شباط/فبراير، كان بمثابة تهويل، واعتقدت أنه لن يصل إلى حرب عدوانية عليها. والضربات التي تلقتها كانت قاسية بكل المقاييس، لا سيما منها التي قضت على المرشد الأعلى علي خامنئي وثلة كبيرة من مساعديه والقيادات الأمنية والسياسية، كما أنها فقدت مقدرات عسكرية بحرية وجوية وأرضية وازنة. لكنها في المقابل أثبتت تماسكاً داخلياً مُعتبراً، وقدرة على الاستمرار في الحرب رغم الضربات المهوّلة، والمثل المتداول يقول "الضربة القاتلة تقوِّي المستهدَف فيها إذا نجا منها". وحسابات إيران في العودة الى تأهيل مشروعها المُتداعي ما زالت قائمة، خصوصاً إذا تمكنت من النفاذ من مقتلة الحرب القائمة، كما إذا استطاعت اختيار مرجعية قادرة على تحمُّل مسؤولية اتخاذ القرار، والرئيس مسعود بزشكيان لا يبدو أنه قادر، أو متحمِّس لأخذ زمام المبادرة بمفرده، والواضح أن الحرس الثوري هو الذي يقود البلاد فعلياً، والحرس ذاته صاحب المشروع الاستراتيجي الإيراني الذي يشمل بناء شبكة أذرع قوية.
 
بعض ضحايا الحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لا سيما منهم دول مجاورةن وفي المقدمة لبنان المنكوب، والمُهدَّد بالاحتلال وبالتدمير وبالفتنة. وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة بما يخدم إسرائيل؛ بدأت بالفعل. وانفراد الولايات المتحدة بالسيطرة على الشرق الأوسط برمته؛ ترسخت أكثر من قبل، ومن دون أي مُراعاة للشركاء الدوليين الآخرين، ولا لحلفائها وأصدقائها.
 
لكن المفاجآت التي قد تقود الى مآلاتٍ أخرى للحرب فرضية قائمة، ومنها احتمالية دخول أطراف آخرين فيها، وتوافر إمكانية اطالتها فيما يُشبه الاستنزاف ذو الحدَّين الجارحين. وعندها قد تستعيد إيران غير المهزومة تجميع قواها وهي وسط حلقة النار، وتتغلّغل إسرائيل الى مربعاتٍ مؤذية جديدة في محيطها، تنشر فيها الفوضى والشقاق والفِتن والدمار.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram