شخصية اليوم | غسان تويني... الرجل الذي حمل لبنان في قلبه وقلمه

شخصية اليوم | غسان تويني... الرجل الذي حمل لبنان في قلبه وقلمه

غسان تويني... رجل الدولة الذي حمل القلم كما يحمل الآخرون الأوطان

 

 

 

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

ليس سهلاً أن تختصر سيرة غسان تويني في مقال أو أن تحصرها في منصب أو صفة. فهو لم يكن مجرد صحافي أو ناشر أو نائب أو وزير أو دبلوماسي، بل كان ظاهرة لبنانية استثنائية جمعت بين الفكر والسياسة والصحافة والدفاع عن الوطن في أصعب المراحل التي مرّ بها لبنان.

وُلد غسان تويني في بيروت عام 1926، في بيت ارتبط بالكلمة الحرة والعمل الوطني، فهو نجل جبران تويني مؤسس صحيفة "النهار". وبعد وفاة والده المبكرة، وجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة، فحمل راية "النهار" وحوّلها إلى واحدة من أهم الصحف العربية وأكثرها تأثيراً، حتى استحق عن جدارة لقب "عميد الصحافة اللبنانية".

لكن ما لا يعرفه كثيرون أن تويني، في سنوات شبابه الأولى، انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وتأثر بفكر مؤسسه أنطون سعاده، وانخرط في العمل السياسي والثقافي مبكراً. وكانت تلك المرحلة محطة أساسية في تكوين شخصيته الفكرية والوطنية، قبل أن ينطلق في مسار سياسي وإعلامي واسع جعله يتجاوز حدود الأحزاب والانتماءات الضيقة نحو فضاء وطني أرحب.

وفي عام 1951، انتُخب نائباً في البرلمان اللبناني وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ليصبح واحداً من أصغر النواب في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وليبدأ رحلة طويلة في الحياة العامة تنقل خلالها بين العمل النيابي والوزاري والدبلوماسي، من دون أن يتخلى يوماً عن قلمه أو موقعه في الدفاع عن الحريات وحق اللبنانيين في التعبير.

وعلى الرغم من المناصب التي شغلها، بقيت صورته الأبرز مرتبطة بلبنان في المحافل الدولية، ولا سيما خلال توليه منصب مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة. وهناك، وقف مدافعاً عن وطنه في أحلك الظروف، مطلقاً صرخته الشهيرة أمام مجلس الأمن:

"دعوا شعبي يعيش."

وهي العبارة التي تحولت إلى واحدة من أشهر العبارات في تاريخ الدبلوماسية اللبنانية، واختصرت معاناة اللبنانيين في زمن الحروب والاعتداءات.

وعلى امتداد عقود، كتب غسان تويني آلاف المقالات والافتتاحيات التي واكبت أخطر التحولات السياسية في لبنان والمنطقة. لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل صانعاً للرأي العام ومؤثراً في مسار النقاش الوطني، مؤمناً بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون سلطة.

لكن حياة الرجل لم تكن مفروشة بالنجاحات وحدها. فقد تعرض لسلسلة من المآسي الشخصية القاسية، ففقد زوجته الشاعرة ناديا حمدان، ثم ابنته نايلة، ثم نجله مكرم، قبل أن يتلقى الضربة الأقسى باغتيال نجله الصحافي والنائب جبران تويني في الرابع عشر من كانون الأول عام 2005.

وفي تلك اللحظة التي حبست أنفاس اللبنانيين، وقف الأب المكلوم أمام نعش ابنه الشهيد، ليطلق واحدة من أكثر الكلمات تأثيراً في تاريخ لبنان الحديث:

"نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين إلى أبد الآبدين دفاعاً عن لبنان العظيم."

ثم قال عبارته التي اختزلت وجعه وإيمانه معاً:

"دفنتُ بيديّ ابني جبران، كما دفنت قبله أمه وأخته وشقيقه... ولن أدفن لبنان."

في تلك اللحظة، لم يكن غسان تويني مجرد أبٍ يودع ابنه، بل كان رجلاً يحاول أن ينتصر للوطن على الألم، وللوحدة على الانقسام، وللأمل على المأساة.

رحل غسان تويني في الثامن من حزيران عام 2012، لكن حضوره لم يغب عن الحياة اللبنانية. فما زال اسمه يُذكر كلما ذُكرت الصحافة الحرة، والدولة، والكلمة الجريئة، والدفاع عن لبنان في المحافل الدولية.

في حياة غسان تويني مفارقة نادرة. فقد بدأ شاباً يحمل أحلاماً فكرية وسياسية كبيرة، ودخل البرلمان في عمر لم يكن كثيرون قد أنهوا فيه دراستهم الجامعية بعد. تنقل بين الصحافة والسياسة والدبلوماسية، وواجه من المآسي ما يكفي لإسقاط أقوى الرجال، لكنه بقي واقفاً حتى النهاية. وبين صرخته في الأمم المتحدة: "دعوا شعبي يعيش"، وكلمته أمام نعش جبران: "ولن أدفن لبنان"، تختصر حكاية رجل آمن بأن الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالكلمة والموقف والإيمان أيضاً. 🇱🇧🖋️🌹

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي