بين الضربة الاستباقية وحق الدفاع… حين يفرض الميدان معادلاته

بين الضربة الاستباقية وحق الدفاع… حين يفرض الميدان معادلاته

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عاد المشهد اللبناني ليقف عند مفترقٍ دقيق بين التصعيد الإسرائيلي المستمر وبين خيارات الردّ التي تفرضها وقائع الميدان. فالتطورات الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في سياق سلسلة طويلة من الاعتداءات والخروقات التي وضعت لبنان أمام اختبارٍ جديد لسيادته وقدرته على حماية أرضه وشعبه.

المفارقة التي لفتت الأنظار في الساعات الماضية لم تأتِ من الداخل اللبناني فقط، بل من الإعلام الإسرائيلي نفسه. فقد كشفت القناة 13 في إسرائيل أن الجيش الإسرائيلي كان يدرس توجيه ضربة استباقية ضد حزب الله، قبل أن يبادر الحزب إلى بدء عملياته. هذا المعطى، الذي صدر عن الجانب الإسرائيلي، أعاد طرح سؤال جوهري: هل كان ما جرى ردًّا استباقيًا لمنع عدوانٍ وشيك، أم خطوة لفرض توازن ردع جديد قبل أن يفرض العدو معادلته بالقوة؟

في موازاة ذلك، أثير جدل حول بيان العملية الأولى وما ورد فيه من إشارة إلى “الثأر” للسيد القائد الشهيد الإمام علي الخامنئي. غير أن القراءة السياسية الأوسع للمشهد تظهر أن العملية جاءت ضمن حسابات لبنانية مرتبطة مباشرة بالاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية. أما الإشارة ذات البعد الديني، فبقيت في إطار رمزي ومعنوي يعكس ثقافة المقاومة وخلفيتها العقائدية، دون أن تغيّر في طبيعة القرار الذي اتخذ في سياق الصراع المفتوح مع إسرائيل.

وفي العمق، يعكس هذا التطور فجوة واضحة بين أداء السلطة اللبنانية وبين حجم التحديات الأمنية التي تواجه البلاد. فخلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، تكررت الاعتداءات الإسرائيلية بشكل شبه يومي، فيما عجزت الحكومة والدبلوماسية اللبنانية عن تأمين الحد الأدنى من الردع أو الحماية. بل إن المفارقة الأشد وقعًا تمثلت في أن النقاش الداخلي انصرف في كثير من الأحيان إلى قضايا داخلية تتعلق بالسلاح والتوازنات السياسية، في وقت كانت فيه الحدود الجنوبية تتعرض لانتهاكات متواصلة.

ويستحضر هذا الواقع النقاش حول القرار الدولي 1701، الذي التزم به حزب الله طوال فترة طويلة، فيما لم يُظهر الجانب الإسرائيلي أي التزام مماثل، سواء عبر الخروقات الجوية المتكررة أو العمليات العسكرية التي طالت مناطق لبنانية. ومع استمرار هذا الخلل في تطبيق القرار، وجد كثيرون أن معادلة الردع لم تعد قابلة للاستمرار من طرفٍ واحد.

من جهة أخرى، لم تكن التحذيرات التي أطلقها حزب الله خلال الفترة الماضية سرية أو مفاجئة. فقد كرّر الأمين العام للحزب وقياداته في أكثر من مناسبة أن الصبر ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، وأن استمرار الاعتداءات سيؤدي في نهاية المطاف إلى ردّ في التوقيت الذي يراه مناسبًا. وبالتالي، فإن ما جرى اليوم يبدو بالنسبة لأنصار المقاومة ترجمة عملية لتحذيرات سابقة كانت واضحة في مضمونها ورسائلها.

وفي سياق أوسع، يبرز مبدأ يعتبره كثيرون قاعدة في العلاقات الدولية والصراعات العسكرية، وهو حق الشعوب في الدفاع عن نفسها عندما تتعرض للعدوان، خصوصًا في الحالات التي تعجز فيها الدولة عن توفير الحماية الكاملة. وتزداد حساسية هذا النقاش في ضوء ما نقلته مصادر دبلوماسية عن رسائل تلقاها مسؤولون لبنانيون، مفادها أن إسرائيل قد تلجأ إلى توسيع عملياتها العسكرية في المنطقة، سواء قبل أي مواجهة محتملة مع إيران أو بعدها.

أما على المستوى الدولي، فقد أثارت المواقف الأميركية الأخيرة تساؤلات في لبنان حول حدود الدعم الذي تتحدث عنه واشنطن. فبدل أن تشكل تلك المواقف عنصر ضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، جاءت في كثير من الأحيان مبررة لعملياتها العسكرية، وهو ما اعتبره منتقدون دليلاً إضافيًا على محدودية الرهان على الضمانات الخارجية.

ولا يقتصر هذا الجدل على السياسة الدولية فحسب، بل يمتد إلى الداخل اللبناني أيضًا، حيث ارتفعت أصوات تتساءل عن موقف القوى التي ترفع شعار السيادة في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية المتكررة، سواء تلك المتعلقة بإعادة رسم الحدود أو حتى التلميحات إلى مشاريع توسعية تمس الأراضي اللبنانية.

في المقابل، تشير الوقائع الإنسانية إلى ثمن باهظ دفعه اللبنانيون خلال الأشهر الماضية، إذ تجاوز عدد الضحايا والجرحى الألف بين شهيد وجريح، بينهم عدد كبير من المدنيين، في ظل غياب أي مظلة حماية فعالة.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطًا بموقع الجيش اللبناني ودوره. فالمؤسسة العسكرية، التي ينظر إليها اللبنانيون بوصفها العمود الفقري للاستقرار الوطني، لم تُمنح في كثير من الأحيان الإمكانات أو الغطاء السياسي الذي يسمح لها بالقيام بدور ردعي مباشر في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، فيما بقيت وعود الدعم الدولي للجيش مؤجلة أو مرتبطة بحسابات سياسية إقليمية.


في الكواليس الدبلوماسية، يدرك كثير من المعنيين بالملف اللبناني أن معادلة الجنوب لم تعد كما كانت قبل سنوات. فكلما تأخر الحل السياسي وتراجعت قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة، تتقدم معادلات الميدان لتملأ الفراغ. وبين رهانات الخارج وحسابات الداخل، يبقى لبنان عالقًا في معادلة دقيقة: دولة تبحث عن حماية، ومقاومة ترى في الردع الخيار الوحيد حين تسقط كل الخيارات الأخرى. وفي هذه المسافة الضيقة بين السياسة والميدان، تُكتب فصول المرحلة المقبلة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram