لبنان بعد الطائف… سقوط وهم التسوية ومعركة كسر العظم

لبنان بعد الطائف… سقوط وهم التسوية ومعركة كسر العظم

 

Telegram

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

عندما يصمت "محور المال" وتغيب الشاشات عن ذكر الاستحقاق

 

منذ أن خفت وهج البارود في تلك السنة المفصلية من عام 1989، اعتاد اللبنانيون أن يحكموا بلادهم ليس بالدستور، بل بظلّه. كان اتفاق الطائف أشبه بسقف زجاجي يسمح برؤية الشمس، لكنه يمنع لمسها. تحت ذلك السقف، كانت الحياة السياسية تدور في فلك "التسوية"، تلك الكلمة السحرية التي تحوّلت إلى دين جديد يقدّسه الجميع.

 

في كل استحقاق دستوري، كانت الغرف المغلقة تتنفس، وتنعقد المجالس حيث يجتمع "أهل الحل والربط" ليصنعوا معادلاتهم الخاصة. كانوا يخرجون في النهاية ببيان أو بصيغة، عنوانها الأوحد: "لا غالب ولا مغلوب". في تلك المسرحية السياسية، كان الجميع يرتدون ثياب المنتصرين، ليُكتب في أسفل القائمة، بخط خفي، اسم الخاسر الوحيد: الدولة.

 

اليوم، وللمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، يبدو أن تلك "الماكينات" التي كانت تنتج التسويات كالمصانع، قد توقفت. صريرها الذي اعتدنا عليه غاب، وكأن لبنان دخل فجأة في حالة ضبابية سياسية غير مسبوقة. لا غالبية قادرة على فرض إرادتها، ولا تسوية جاهزة لتدوير الزوايا كما كان يحدث في الماضي.

 

الاستحقاق النيابي: بين زمن الدستور وساعة السياسة

 

تحوّل الاستحقاق النيابي من موعد انتخابي إلى "معركة كسر عظم" بامتياز. الخيارات باتت واضحة كالشمس في كبد السماء: إما انتخابات في موعدها تنتج موازين قوى جديدة، وإما تأجيل يفتح جحيماً من الأزمات والشرعيات المتنازعة. بين هذين الخيارين، لم تعد هناك مساحة للجميع. سيكون هناك رابح واحد، وخاسر واحد، وهذه هي المفاجأة الكبرى في بلاد كانت تتسع دائماً للجميع.

 

قصر بعبدا: صورة الرئيس وحماية الدستور

 

في قصر بعبدا، يبدو رئيس الجمهورية كحارس للمعبد. يصر على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، ليس فقط إيماناً منه بالقانون، بل لأن أي تعطيل سيسجل في سجلات التاريخ كإخفاق في عهده. بعد أن أتمّ الانتخابات البلدية، يشعر الرجل بأن المسؤولية الأخلاقية تعلو فوق السياسة. بالنسبة إليه، المعركة لم تعد على المقاعد النيابية، بل على صورة الرئاسة نفسها، كحامية للدستور وراعية للمؤسسات.

 

السراي الكبير: حسابات معقدة ورياح متغيرة

 

في المقابل، تبدو حسابات رئيس الحكومة وكأنها تمشي على حبل مشدود فوق هوة سحيقة. تشير قراءات المتابعين إلى أن التحالفات المتبدلة، وصعود قوى جديدة في الساحة، قد تجعل من عودته إلى السراي الحكومي ضرباً من المستحيل. بل إن بعض التقديرات الدقيقة تتحدث عن احتمال تقلص تمثيله النيابي إلى حدود لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. في السياسة، كما في الطبيعة، الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن.

 

عين التينة: رسالة السفير ورفض التمديد القصير

 

على خط موازٍ، كان للسجال الذي أثاره حديث نبيه بري في صحيفة "الشرق الأوسط" وقع مختلف. حين أشار إلى أن السفير الأميركي أبلغه بضرورة تأجيل الانتخابات، ثارت ثائرة السفارة، ودفعت باتجاه تراجع سريع. لكن موقف بري، وفق مصادر قريبة منه، كان أكثر وضوحاً مما بدا عليه: إن كان لا بدّ من تمديد، فلا أقل من سنتين. لكن اللافت هنا أن "الثنائي الشيعي" يميل في قرارة نفسه إلى إجراء الانتخابات في موعدها، لتجديد شرعيته الشعبية، استناداً إلى نتائج الانتخابات البلدية التي منحته ثقة قاعدته الشعبية. إنها مفارقة: من يُتهم أحياناً بتعطيل المؤسسات، هو اليوم الأكثر حرصاً على صناديق الاقتراع!

 

الرياض: انتظار "كلمة السر" وحراك متجدد

 

أما على الصعيد الإقليمي، فيبرز الحراك السعودي كخيط ناظم للمشهد. الحديث عن زيارة مرتقبة ليزيد بن فرحان يعكس حجم الانتظار لدى القوى المحسوبة على المملكة. إنهم ينتظرون "كلمة السر" التي سترسم تحالفاتهم وخياراتهم. غير أن أداء السفير السعودي الحالي يواجه انتقادات لاذعة في الكواليس، خصوصاً في محاولاته المستمرة لحصار "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، في خطوة يراها البعض قراءة غير دقيقة للمشهد السني.

 

بيت الوسط: عودة "المستقبل" وتصحيح البوصلة

 

كان إعلان الحريري، في ذكرى استشهاد والده رفيق الحريري، بمثابة قنبلة موقوتة في صفوف البيئة السنية. عودة "المستقبل" إلى خوض الانتخابات، قلب المشروع على رأسه، وأعاد خلط الأوراق من جديد. تشير المعطيات الأولية إلى توجه التيار لترشيح نحو خمسين شخصية، ما يضعه في دائرة الرابحين المحتملين. إنها عودة الروح إلى الجسد، وإعادة تموضع للسنة في قلب المعادلة السياسية، بعد مرحلة من الضياع والتيه.

 

السياديون: صمت المتفرجين وانقلاب الحسابات

 

اللافت للنظر أيضاً، هو صمت بعض "السياديين" الذين كانوا يملؤون الدنيا صراخاً بضرورة إجراء الانتخابات في موعدها. تبدلت النبرة مع تبدل الحسابات، وكأن الصوت السياسي مجرد ريشة في مهب المصالح. لكن السيناريو الأخطر، والذي يهمس به السياسيون في الزوايا المظلمة، هو احتمال التمديد. في تلك الحالة، سيكون قانون الانتخاب الجديد على طاولة البرلمان، وسط مخاوف من أن أي صيغة جديدة قد تجعل "المكوّن المسيحي" الخاسر الأكبر، لتعود فتح ملف التوازنات الدقيقة التي أرساها الطائف وكأنها جرح لم يندمل.

 

لبنان اليوم: بين التسوية الذهبية ونتائج الصفر

 

لبنان اليوم لا يقف فقط أمام استحقاق انتخابي عابر. إنه أمام اختبار وجودي لطبيعة نظامه السياسي. هل تبقى "التسوية" قاعدة ذهبية تعلو على النصوص الدستورية، وتحمي الجميع من شراسة السياسة؟ أم أننا ندخل مرحلة جديدة عنوانها الوحيد "النتائج الصافية"، حيث يربح طرف ويخسر آخر، وتكتب النتائج بحبر لا يمحى؟

في العلن، يرفع الجميع شعار الدستور كعلم مقدس. لكن في الكواليس، المعركة شرسة على الأحجام والأدوار. من عين التينة إلى بيت الوسط، ومن الرياض إلى واشنطن، تتشابك الخيوط وتتعقد اللوحة.

لكن اللافت هذه المرة هو ذاك الصمت المطبق الذي يلف شاشات "محور المال والدولار". تلك القنوات التي تملك تمويلاً لا ينضب، وشاشاتها مضاءة على مدار الساعة، وجدناها وقد ابتلعت ألسنتها، وغابت كلياً عن تغطية الاستحقاق الانتخابي أو حتى مجرد ذكره. دراسات الإعلام اللبناني كشفت سابقاً أن محطات بعينها كانت تغيّب القوى السياسية الناشئة بشكل شبه كلي، وتكرّس البث الحصري لأصحابها ومموليها . اليوم، يتكرر المشهد ولكن بصورة أشمل: إنه "الخرس الانتخابي" لمن يسكنون في فلك المصالح المالية الضيقة.

 

فبينما تتخبط وسائل الإعلام المستقلة في تأمين تكاليف التغطية، وتفتح بعض المحطات برامجها للحوارات الانتخابية المدفوعة الأجر ، نجد تلك القنوات "الممولة جيداً" تلتزم الصمت المريب. وكأن الاستحقاق الدستوري الأهم في حياة اللبنانيين لا يعنيهم، أو كأن جمهورهم لا يحق له أن يعرف مصير تمثيله.

 

هذا الصمت ليس عابراً، بل هو رسالة سياسية بحد ذاته. إنه تأكيد على أن "محور المال" لم يعد يريد حتى عناء التغطية الانتخابية، لأنه يعرف مسبقاً أن النتائج الصافية لن تكون في صالح مشروعه. إنه يفضل الظلام على الضوء، لأنه يدرك أن صناديق الاقتراع قد تحمل رياحاً لا تشتهي سفنه.

 

الحقيقة التي يتهامس بها العارفون في مجالسهم الخاصة، هي أبسط وأقسى من كل ذلك: التسوية التي حكمت لبنان منذ الطائف، لم تعد قادرة على حماية الجميع. لقد انتهى زمن السقف الزجاجي، والآن إما أن نبني سقفاً جديداً من الدستور الحقيقي، أو نبقى تحت الشمس الحارقة. ومن يظن نفسه رابحاً اليوم، وقد أسكت شاشته وغيّب صوته، قد يكتشف غداً أنه كان يؤجل خسارته فقط، لأن اللعبة الكبرى لم تعد تحتمل اثنين، ولم تعد تحتمل صامتين.

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram