كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
إنّ مبدأ «لا ضريبة إلا بقانون»، المنصوص عليه في المادة 81 من الدستور اللبناني، ليس مجرد قاعدة شكلية، بل هو الركيزة الأساسية التي تحمي المواطنين من أعباء مالية تُفرض دون تمثيل برلماني. فهو يقيد السلطة التنفيذية ويمنعها من ابتكار ضرائب أو تعديل نسبها إلا عبر مسار تشريعي كامل، يبدأ بإقرار قانون من مجلس النواب، ثم نشره في الجريدة الرسمية، وإلا اعتُبرت أي ضريبة خارج هذا الإطار فاقدة للشرعية.
في هذا الإطار، يطرح إقرار مجلس الوزراء رفع الضريبة على البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) إشكالية دستورية مباشرة: فالسلطة التنفيذية ليست مخوّلة بموجب الدستور تعديل الضرائب أو إنشاء أخرى بقرار إداري أو حكومي، مهما كانت مبرراتها الاقتصادية أو المالية، إذ إنّ السلطة التشريعية محصورة بمجلس النواب وحده وفق المادة 16 من الدستور، كما أنّ المادتين 81 و82 تحصران فرض الضرائب وتعديلها وإلغاءها بالقانون.
إنّ الضرائب على السلع الأساسية، مثل البنزين، تُمسّ يوميًا بالقدرة الشرائية للمواطنين، ما يجعل أي تجاوز للمسار التشريعي أمرًا يمس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة المستفاد من المادة 7 من الدستور، ويطال أيضًا حق الملكية الخاصة المصون بموجب المادة 15 من الدستور. بالتالي، فرض هذه الضرائب دون قانون صريح صادر عن مجلس النواب لا يُعدّ فقط مخالفة شكليّة، بل خرقًا جوهريًا لمبدأ الفصل بين السلطات، ويؤسس لسابقة خطيرة تسمح للسلطة التنفيذية بالتحوّل إلى مشرّع مالي فعلي.
من زاوية الرقابة الدستورية، فإنّ أي ضريبة تُفرض خارج الإطار القانوني تُعدّ قابلة للطعن أمام المجلس الدستوري، الذي استقر اجتهاده على التأكيد أنّ الشرعية الضريبية تقتضي صدور قانون صريح ونشره أصولًا، وأنّ أي فرض مالي لا يستند إلى قانون يُعتبر معدوم المشروعية. كما أنّ الالتزام بالمسار التشريعي ليس ترفًا دستوريًا، بل هو الضمانة الأساسية لتوازن الدولة وحماية المواطنين، خصوصًا في ظل الأزمات المالية التي يمرّ بها لبنان.
الخطر الأكبر لا يكمن في مجرد فرض الضريبة، بل في إضعاف الدور الرقابي لمجلس النواب وتحويل السلطة التنفيذية إلى مشرّع مالي مستقل، ما يهدد جوهر الدولة الدستورية. فالشرعية الضريبية ليست خيارًا سياسيًا، بل التزام دستوري لا يُمكن تجاوزه، حتى في ظل أعنف الأزمات الاقتصادية.
في الخلاصة، إنّ أي ضريبة على البنزين أو أي رفع للـTVA، إذا لم تُقرّ بقانون صادر عن مجلس النواب ونُشرت وفق الأصول، تبقى فاقدة للمشروعية الدستورية، قابلة للطعن، ومهدِّدة بتقويض ثقة المواطنين بالدولة. فالدستور لم يمنح البرلمان هذا الدور عبثًا، بل جعله خطّ الدفاع الأخير عن حقوق الشعب في مواجهة أي تجاوز للسلطة التنفيذية
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :