ألاعيب الدجالين... مصريون في قبضة الخرافة

ألاعيب الدجالين... مصريون في قبضة الخرافة

 

Telegram

 

لم يتخيل الثلاثيني علي عصام (اسم مستعار)، حاصل على مؤهل عالٍ، أن يسقط يوماً فريسة في فخ الدجل والشعوذة والخرافات، بعدما قاده حظه العاثر للجوء إلى أحد الدجالين من مروّجي فك السحر والأعمال السفلية وجلب الحبيب، ظناً منه قدرته على حل مشكلة تأخر ارتباطه، بعدما فشلت جلسات التعارف الأسرية مع أكثر من فتاة.

 

يسرد الثلاثيني، الذي يقطن إحدى قرى محافظة القليوبية (شمال القاهرة)، في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "تقدمت لخطبة أكثر من فتاة، في كل مرة كانت جلسة التعارف العائلية تفشل بسبب شعور الفتاة بعدم الارتياح النفسي، أتذكر في آخر جلسة توافقت الأسرتان على موعد عقد القران وتفاصيل الزواج، وقبل البدء في مراسم التجهيز تلقيت مكالمة من الفتاة ترفض استكمال الارتباط بزعم شعورها أيضاً بعدم الارتياح".

 

جلب الحبيب

"شعرت الأسرة أن تكرار فشل تلك الجلسات الأسرية أمر غريب وراءه شيء خفيّ، فاستجابوا لنصيحة أحد الأقارب بالذهاب إلى أحد مشايخ فك السحر والأعمال السفلية وجلب الحبيب، الذي خصص لنفسه صفحات على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي للتواصل مع زبائنه، وذاع صيته بين أهالي قريته، بزعم تمكنه من حل مشكلات سابقة وقدرته على حل معضلة تأخر زواجه"، يضيف عصام.

 

بعد محاولات متكررة، رضخ الثلاثيني لضغوط أسرته، "قررت خوض التجربة علها تكون سبيلاً في حل أزمتي، وقمت بمساعدة أفراد الأسرة بالتواصل مع الأرقام الموجودة على صفحته عبر الإنترنت لتحديد موعد للقاء الشيخ (الدجال) في مسكنه".

 

داخل شقة تشبه "البدروم" بالطابق الأرضي، تحيطها الأبخرة والروائح المختلفة من كل الأرجاء، وتمتلئ بالزائرين الوافدين من كل حدب وصوب من القرى والمحافظات المختلفة، يجلس الشيخ (الدجال) داخل حجرة مغلقة، مستقبلاً الزائرين، الذين يدخلون إليه عبر أرقام بالأدوار المخصصة لهم، وفقاً لمواعيد الحجز.

 

يقول الثلاثيني "حين جاء دوري، دخلت للشيخ شارحاً أمامه مشكلتي، فقام بتلاوة بعض الآيات في أذني، ووضع يده على رأسي، وطلب مني شرب كوب مياه من زجاجة موضوعة أمامه، زاعماً أن سبب تعطل زواجي هو وجود عمل وسحر سفلي مدفون أسفل المقابر لوقف الحال وتعطيل الزواج، وأعطاني حبة دواء زاعماً أنها تساعد في تصريف ذلك البلاء، تناولتها وكانت سبباً في إعيائي والشعور بالقيء طوال الليل"، وفق عصام.

 

يضيف "فوجئت أنه يطلب مبلغاً مالياً يُقدر بـ2000 جنيه (42.69 دولار) نظير حضور ثلاث جلسات متتالية، بخلاف طلبات أخرى ينبغي تنفيذها للشيخ في كل جلسة، فقمت بتسديدها، وبدأت أنفذ مطالبه أملاً في إيجاد شريكة حياتي"، يمضى في حديثه "مع مرور الوقت وكثرة الطلبات، تيقنت أنني كنت ضحية نصب لهذا الدجال، الذي استنزف أموالي وأوهمني بقدرته على حل المشكلة، لكن لم يطرأ أي جديد فيها".

 

فخ القرين

حال إسراء إسماعيل (اسم مستعار) لا يختلف كثيراً عن عصام، إذ سقطت هي الأخرى ضحية لنصب الدجالين ومروّجي الشعوذة، بعدما ساقها القدر إلى صفحة عبر منصة التواصل الاجتماعي، تروّج لجلب المال عبر القرين، وبث مقاطع فيديوهات وصور تشير إلى تمكّنه من جلب أموال لكثير من الأشخاص.

 

في شهادتها تحكى إسراء، خريجة كلية دار العلوم، "كنت متخوّفة وشعرت بالحيرة في البداية، لكن بعد تفكير قررت خوض التجربة، فتواصلت مع مسؤول الصفحة عبر الأرقام الموجودة عليها، وبعد نقاشات عدة، طلب مني تسديد مبلغ 2600 جنيه (55.50 دولار) عبر إحدى وسائل الدفع الإلكتروني، نظير تسخير القرين لجلب الأموال من دون بذل أي مجهود، بعد تسديد المبلغ المطلوب انتظرت جلب القرين المال المتفق عليه، لكنى فوجئت بهذا الشيخ يطلب مزيداً من الأموال، متذرعاً بحجج مختلفة في كل مرة، فشعرت أنها واقعة نصب وقررت إيقاف التواصل معه".

 

وقدّر متحدث وزارة الأوقاف المصرية الدكتور أسامة رسلان، في تصريحات تلفزيونية أخيراً، أن أحدث الإحصاءات تشير إلى أن حجم الإنفاق السنوي على الدجل والشعوذة في مصر تجاوز 10 مليارات جنيه، آسفا على أن "هذا الرقم يعكس ثقافة غير محمودة تقوم على تسليم العقل، ولا تستند إلى منطق أو مبرر شرعي أو علمي، وهو ما يستدعي تكثيف جهود التوعية المجتمعية". مضيفاً أن الوزارة كثفت جهودها التوعوية في المحافظات الحدودية من خلال تنظيم مجالس فقه وندوات علمية، مردفاً "هذه المحافظات تحتاج إلى حضور ديني أكاديمي أكثر كثافة، نظراً إلى قلة الكليات الشرعية بها مقارنة بغيرها من المحافظات".

 

وخلال العامين الماضيين ألقت السلطات الأمنية بمصر القبض على عدد من مروّجي الدجل والشعوذة بتهمة ممارسة ابتزاز الضحايا وتربح أموال بوسائل احتيالية، إذ أصدرت السلطات القضائية بمصر أخيراً حكماً في حق عاطل بمحافظة أسيوط (صعيد مصر) بالسجن 15 عاماً، لإنشائه حساباً وهمياً باسم "الشيخة أميرة المصرية" على مواقع التواصل الاجتماعي، يستقطب رجالاً ونساءً، منتحلاً صفة "معالج روحاني"، ويدعي إتقانه أعمال السحر والشعوذة، وبعد حصوله على صور خاصة من الضحايا يهددهم بنشرها لابتزازهم مالياً.

 

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي تمكّنت الأجهزة الأمنية من القبض على شخص بالقاهرة بتهمة النصب والاحتيال على عدد من المواطنين، والاستيلاء على أموالهم زاعماً قدرته على العلاج الروحاني، وقيامه بممارسة أعمال الدجل، والترويج لنشاطه الإجرامي بمواقع التواصل الاجتماعي.

 

وفي فبراير (شباط) الماضي، ضبطت الأجهزة الأمنية أحد الأشخاص بمحافظة الفيوم (جنوب القاهرة)، لاتهامه بممارسة أعمال الدجل والشعوذة والنصب على المواطنين وتعمده تصوير تلك المقاطع وبثها لزيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مادية إضافية، وفي مايو (أيار) العام الماضي ألقت الأجهزة الأمنية بالإسكندرية القبض على أحد الأشخاص بتهمة النصب والاحتيال على المواطنين والاستيلاء على أموالهم من خلال الزعم بقدرته على العلاج الروحاني وممارسة أعمال الدجل والترويج لنشاطه الإجرامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

 

المفارقة أن الوقائع السابقة تُبرز أن تلك الممارسات المنحرفة لم تعد مقصورة على الشكل التقليدي متمثلاً في الذهاب بجلسات سرية للدجالين في أماكن "تحت بير السلم" فحسب، بل توسّعت مع التطور التكنولوجي لمنصات التواصل الاجتماعي، التي باتت تشكل أرضاً خصبة لرواجها وتمددها، وبدأت تنشط الصفحات، التي تروج لـ"فك السحر والأعمال" و"جلب الحبيب" و"تسخير القرين" و"العلاج الروحاني"، مقابل مبالغ مالية يجري تحويلها عبر وسائل الدفع الإلكتروني المختلفة، ووصل الأمر لحد بث تلك الجلسات عبر صفحاتهم لزيادة نسب المشاهدة والأرباح.

 

التستر خلف "عباءة الدين"

وأرجعت الدكتورة الشيماء علي، بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، سر انجذاب بعض المصريين للخرافات والدجل والشعوذة، إلى "الخلط بين القيم الدينية من جانب والأعراف والتقاليد من جانب آخر"، مشيرة إلى أن تلك الممارسات المنحرفة التي يروّج لها بعض الدجالين تحت ستار "الدين" بعيدة تماماً من صحيح الدين، "هؤلاء الدجالون يمارسون عمليات النصب عبر إيهام الضحايا بحل مشكلاتهم بالعلاج الروحاني لكنها وسائل احتيالية".

 

وفي رأي الشيماء فإن تلك الوقائع لم تعد مقتصرة على الفقراء والأميين فقط مثلما كان شائعاً ومتعارفاً عليه، لكن أصبح لها روادها من أصحاب المؤهلات الجامعية، ويقبل عليها أحياناً أشخاص ذوو مستوى اجتماعي راقٍ، مما يستدعى التنبه لخطورة تلك الظاهرة لحماية الضحايا من السقوط في فخاخ هؤلاء الدجالين، مطالبة بضرورة تكثيف حملات التوعية لتحجيم انتشارها.

 

يتفق استشاري الصحة النفسية الدكتور وليد هندي مع الطرح السابق، موضحاً أن غالب الضحايا الذين يسقطون في شباك هؤلاء الدجالين يعانون مشكلات نفسية ناجمة عن أنماط التنشئة الاجتماعية، التي تُعزز لديهم تلك الأفكار الخرافية منذ الصغر وتجعلها تترسخ في أذهانهم عند الكبر، مستشهداً ببعض الأمثلة: "الخرزة الزرقاء وكف اليد خمسة وخميسة للوقاية من الحسد وحدوة الحصان وقلب الشبشب على وجهه فأل شر ونحس ورش الملح لطرد الأرواح الشريرة، لافتاً إلى أن الطفل يستشعر في مخيلته أن هناك قوة أخرى يستعين بها وقت الحاجة، مما يجعله في الكبر يلجأ إلى متاجري الغيبيات والمشعوذين.

يضيف هندي، خلال حديثه، أن هناك عوامل أخرى تُعزز من انتشار هؤلاء المنحرفين، مثل "العنوسة" والفقر والانفصال الزوجي وحلم الثراء السريع، مما يجعل الضحايا يذهبون إلى هؤلاء الدجالين، الذين يملكون مهارات الإقناع واستغلال الدين والمتاجرة بالقرآن لإيهام ضحاياهم والاستيلاء على أموالهم، مردفاً "تجارة الدجل أصبحت بيزنس، والمشعوذ يعتمد على شبكات عنكبوتية تضم بعض الأشخاص العاملين في مجال التنمية البشرية واللايف كوتش ويستغلون قنوات بير السلم لعرض أفكارهم الانحرافية".

 

وفي تقدير استشاري الصحة النفسية، فإن هناك سمات مشتركة تجمع بين الضحايا، أبرزها أنهم لا يدركون المفاهيم الدينية بالشكل الصحيح ويسهل خداعهم وانقيادهم والتلاعب بعقولهم، قائلاً "من يلجأون إلى تفسير الأحلام والعلاج بالطاقة هم من يذهبون إلى الدجالين والمشعوذين"، مطالباً بضرورة تكثيف حملات التوعية المجتمعية على كل المستويات لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية الناجمة عنها.

 

وسائل احتيالية

فيما يُفسّر مساعد وزير الداخلية لأمن المعلومات سابقاً اللواء محمود الرشيدي الانتشار الكبير لمروجي تلك الممارسات عبر صفحات الإنترنت والتواصل الاجتماعي، كونها أسرع وسيلة للوصول للضحايا، موضحاً أن هناك حالاً من الانفلات والإفراط الواضح في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت أشبه بـ"مستنقعات"، بحسب تعبيره، ومرتعاً خصباً لكل الأنشطة الإجرامية في مختلف المجالات، كونها قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والأمنية والوصول لأي مكان بالعالم بسرعة البرق.

 

يشير الرشيدي، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى أن هؤلاء الدجالين يحاولون دائماً إغراء ضحاياهم بأشكال وطرق مختلفة مستغلين حال الطمع لديهم، موضحاً أن هناك قواسم مشتركة تجمع هؤلاء الضحايا منها، "الأمية الرقمية"، فلا يعرفون قيمة الاستخدام الآمن والرشيد لمواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت ولديهم انعدام وعي كامل ويبحثون عن الثراء السريع من دون بذل أي مجهود، لافتاً إلى أن خط الدفاع الأول في مجابهة تلك الجرائم هو محو الأمية الرقمية، وهى مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطنين.

 

وعلى مدى الأعوام القليلة الماضية تزايدت مطالبات ونداءات نواب البرلمان بغرفتيه لمجابهة تلك الظاهرة ووضع جرس إنذار لتحذير المواطنين من خطورتها ومنعاً لوقوعهم ضحايا لأعمال النصب والاحتيال المالي، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنتا لجنة الشؤون الدينية والأوقاف، ولجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام بمجلس الشيوخ، إطلاق حملة وطنية تهدف إلى مواجهة الدجل والخرافات والشعوذة عبر الفضاء الإلكتروني، لتعزيز الوعي لدى المواطنين ومواجهة ما يُنشر على الإنترنت من محتوى مضلل أو خادع يستهدف استغلال الناس بمزاعم باطلة.

 

وفي مايو (أيار) 2022 تقدّمت البرلمانية المصرية دعاء عريبي، بمشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات رقم 58 لسنه 1937 المعدل لمواجهة ظاهرة انتشار عمليات النصب على المواطنين والاستيلاء على أموالهم وسلبها، وانتشار ظاهرة الدجل وأعمال السحر والشعوذة، مشيرة إلى أن القانون لم ينص على جرائم السحر والشعوذة بطريقة مباشرة، لكن يعاقب عليها كجريمة من جرائم النصب طبقاً لنص المادة 336 من قانون العقوبات المصري، مطالبة بالتفرقة بين من يقومون بالرقية الشرعية من دون الحصول على مقابل مادي بشرط أن لا تتخطى أعمالهم الرقية الشرعية، وبين السحرة والدجالين والمشعوذين الذين يقومون بإيذاء الناس والمساس بسلامتهم وسلامة حياتهم وأسرهم، لأن علماء الدين اتفقوا على أن تعلم وتعليم السحر وممارسته حرام شرعاً.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram