رمضان بين الركام.. فوانيس الأمل تضيء خيام غزة

رمضان بين الركام.. فوانيس الأمل تضيء خيام غزة

 

Telegram

في غزة، حين أُعلن ثبوت هلال رمضان، ارتفعت فوانيس صغيرة بين خيام النازحين وعلى أطراف البيوت المهدّمة، كأنها نقاط ضوء تقاوم ذاكرة النار.

في أحد أحياء غرب المدينة، يجلس أبو سلام فوق بقايا منزله الذي صار كومة حجارة، يتأمل ابنته الوحيدة سلام، ذات الخمسة عشر عاماً، وهي تثبّت فانوساً أحمر على عمود معدني أعوج.

يتنهّد الرجل الخمسيني الذي أثقلته الأمراض وفقدان الأحبة، ثم يبتسم ابتسامة قصيرة، كأنها استراحة بين وجعين.

أبو سلام فقد أخوته وأخواته ووالديه خلال الحرب الأخيرة على غزة. البيوت تهاوت، الأسماء صارت على لوائح الغياب، والذكريات عالقة في زوايا لا تصلها الشمس.

بقيت له سلام، تحمل اسمها كوصية حياة في مدينة تتعلم كيف تتنفس من جديد. يعيش الأب وابنته في ركن من المنزل المهدّم، سقفه قطعة صفيح، وجدرانه بقايا طوب وأسلاك. في الليل، يمدّان بطانيتين على الأرض، ويضعان فوقهما وسادتين قديمتين، ويتقاسمان صمتاً طويلاً.

“هذا أول رمضان بلا حرب منذ ثلاثة أعوام”، يقول أبو سلام لـ“القدس العربي”، وصوته يتأرجح بين الحزن والرجاء. “كنت أحسب الأيام بعدد القذائف، اليوم أعدّها بعدد المرات التي يتوقف فيها القصف. حين يتوقف الضرب، أشعر أنني أستطيع أن أتنفس، وأقول لسلام إن الغد قد يكون أهدأ”.

في محيطهما، تزيّنت خيام النازحين بفوانيس مضيئة وحبال زينة ملونة تمتد بين آلاف الخيام وأنقاض المنازل.

في ميدان السرايا، تجمّع عشرات الفلسطينيين والتقطوا الصور بجانب فانوس ضخم، وراحت المتاجر تبقي أبوابها مفتوحة حتى ما بعد منتصف الليل. في الشوارع، عُلّقت فوانيس حمراء بجانب هلال أصفر، كأن المدينة تحاول أن تعيد ترتيب صورتها في المرآة.

سلام، التي كانت تذهب إلى المدرسة كل صباح قبل الحرب، صارت تكتب دروسها على ضوء بطارية صغيرة.

تقول لوالدها إنها تحلم بأن تصبح طبيبة “حتى تعالج تعب الناس”. يضحك أبو سلام بخفة ويجيب: “عالجيني أولاً”. يعاني الرجل من مرض مزمن تفاقم مع شح الدواء، ويشكو ألماً في صدره كلما اشتدّ البرد أو عادت الذكريات.

“كنت أجلس مع إخوتي حول مائدة عامرة”، يروي أبو سلام. “كانت أمي تضع صحن المقلوبة في المنتصف، وأبي يوزع التمر على الجميع. اليوم أضع طبقا واحدا وسلام تجلس أمامي. أحياناً نقتسم رغيفاً وبعض العدس. الغلاء أرهقنا، والعمل انقطع، والبيت صار ركاما”.

في الليلة الأولى من رمضان، سمع أبو سلام صوت الأذان من المسجد العمري، حيث احتشد مصلون لأداء التراويح بعد سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول.

أغلق عينيه طويلاً. “أردت أن أذهب، لكن قدميّ خانتاني”، يقول. “أرسلت سلام مع جارتنا. قلت لها: ادعي لأمك وأجدادك وأخوالي. ادعي أن يبقى الهدوء”.

الهدنة تحمل طعمًا مختلفًا هذا العام. الضربات لم تتوقف بالكامل في أطراف متفرقة، والمدفعية دوّت فجر الأربعاء في شرق المدينة وشرق مخيم البريج.

غير أن الناس يتشبثون بفكرة أن رمضان قد يكون جسراً إلى أيام أهدأ. “الفرحة مخنوقة”، تقول نيفين أحمد، النازحة إلى المواصي، في شهادة تعكس شعوراً عاماً. وأبو سلام يردد العبارة نفسها: “الفرحة مخنوقة، لكننا نحاول أن نفتح لها نافذة”.

على شاطئ دير البلح، كتب الفنان زياد أبو جراد عبارة “أهلاً رمضان” على الرمل، تحت نظر أطفال المخيم المكتظ. يمرّ أبو سلام أحياناً قرب البحر، يقف بعيداً، ويقول لسلام: “البحر شاهد علينا، يعرف أسماءنا”.

تتعلق الفتاة بذراعه، وتحدثه عن صديقات تفرّقن بين مراكز الإيواء. “سنلتقيهن في العيد”، يجيبها بثقة يتمنى أن تصدقها الأيام.

قدّرت الأمم المتحدة أن أكثر من ثلاثة أرباع البناء في القطاع تعرّض للدمار، وأن معظم السكان نزحوا مرة واحدة على الأقل خلال الحرب.

أعلنت وزارة الصحة في غزة أن الحملة العسكرية أسفرت عن مقتل 72061 شخصاً غالبيتهم من المدنيين. الأرقام تمرّ في نشرات الأخبار، لكن أبو سلام يراها وجوهاً وأصواتاً. “كل رقم هو بيت انطفأ”، يقول.

في المساء، تشعل سلام فانوسها. الضوء الصغير ينعكس على وجه أبيها، فيبدو أصغر سناً للحظة. “حين يتوقف الخراب، أشعر أنني قادر على الفرح”، يقول.

“الهدوء هدية، حتى لو كان قصيرا. أقول لسلام: سنزرع شجرة مكان هذا الركام، سنعيد بناء غرفة واحدة، ثم نضيف أخرى”. تضحك الفتاة، وتعدّه بأن تزيّن الغرفة بالهلال والنجوم.

سألناه عن الخوف، فيجيب: “الخوف صار جارنا، لكنه تعب مثلنا. هذا رمضان مختلف، فيه حزن كثير، وفيه أمل أيضاً. الناس عادت تشعر ببعضها. نتشارك السحور مع الجيران، نتبادل ما يتيسر. حين أرى فوانيس على الخيام، أعرف أن غزة قادرة على أن تبتسم”.

في ختام حديثه لـ“القدس العربي”، يرفع أبو سلام نظره إلى السماء ويقول: “أريد لسلام أن تعيش رمضان بلا صوت طائرة، بلا قذيفة. أريدها أن تحفظ القرآن في مسجد يعجّ بالمصلين، أن تشتري فستان العيد من متجر مضاء، أن تضحك طويلاً. أريد أن أرى هذا بعينيّ”.

في بيتٍ بلا سقف، يطفئ أبو سلام فانوسه بعد السحور. يضع يده على كتف سلام، ويقول: “سنصوم غداً ونصبر. الصبر هنا عبادة أخرى”. في الخارج، تتلألأ أضواء صغيرة فوق الركام. غزة تستقبل رمضان بقلب مثقل، وعيون تبحث عن صباح لا يعكره دخان.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram