في زمن ما، لم يكن الحب مجرد حالة شعورية رقيقة بل قوة بيولوجية قادرة على إفساد الجسد نفسه. كان يعتقد أن مرضى السل هم عشاق بالدرجة الأولى، وأن الرئة التي تنخرها الثقوب ليست سوى قلب احترق طويلاً قبل أن يصل الاحتراق إلى اللحم وينفذ إلى الجلد. كان المرض يبدو كأنه تنهيدة طويلة خرجت من صدر شخص لم يستطع أن يقول ما يشعر به في الوقت المناسب. ولهذا التصقت صورة الشحوب والعيون الغارقة والوجوه الشفافة بالعاشق أكثر مما التصقت بالمريض العابر.
في رواية «في العشية» للكاتب الروسي «إيفان تورغنيف» يموت البطل انساروف بالسل بعد أن يفقد إمكانية العودة الى وطنه بلغاريا. لم يقتله الميكروب بقدر ما قتله الحنين والخيبة والشعور بأن الحياة انغلقت فجأة مثل باب حديدي. المرض هنا ليس عرضاً جسدياً بل ترجمة عضوية لانهيار المعنى. كأن الجسد حين يفقد سبباً للعيش يبدأ بالتخلص من نفسه ببطء.
وفي منتصف القرن العشرين، كان كثير من الأطباء يربطون الأمراض الخطيرة بكبت العواطف. كانوا يتحدثون بلغة رقيقة عن احتراق الإنسان من الداخل، عن مشاعر لم تجد منفذاً فصنعت لنفسها طريقاً عبر الأعصاب والأعضاء. لم يكن ذلك مجرد خيال رومانسي تماماً، فالتوتر المزمن والحزن الطويل قادران فعلاً على تدمير المناعة وإضعاف القلب واختلال النوم والهضم؛ ذلك لأن الإنسان ليس مجرد آلة يمكنها أن تفصل بين العاطفة والجسد.
ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بالعشاق المتمارضين، أولئك الذين لا ينهارون فقط نفسياً عند الفقد بل ينهارون جسدياً أيضاً. يكفي أن يبتعد الحبيب حتى تظهر أعراض دوار وضيق تنفس وخفقان وإغماء؛ كأن الجسد يعلن حالة طوارئ بسبب غياب شخص واحد. وتروي ممرضة أن مستشفاها يستقبل يومياً حالات انهيار عصبي لعشاق يريدون تنبيه الطرف الآخر إلى خطورة الوضع، ربما قد يبدو الأمر استدراراً للتعاطف، لكنه غالباً ما يتحول فجأة إلى مرض حقيقي لا يمكن التحكم به ولا الفرار من عواقبه.
وفي حالة المرض الشديد، يستعدى السؤال الوجودي: لماذا يجذب الحزن المشوب بالشحوب العشاق تحديداً، ولا سيما أن عبارة «أشوف بعينك حزن» تحولت اليوم إلى مادة للسخرية والتندر، رغم أنها كانت مفتاحاً للوقوع في الحب؟
الحقيقة أن الحزن في العينين أشبه بشق صغير في جدار الروح. وعندما يلمح شخص ذلك الشق، يشعر أنه يستطيع الدخول والنفاذ إليه بسهولة، فالعيون السعيدة مغلقة ومكتفية بذاتها، أما الحزينة فتوحي بحاجة خفية إلى منقذ سريع، وكأنها نداء غير منطوق بأنها تعاني من فراغ مُر ينتظر من يملأه بحلاوة. والعاشق بطبيعته يريد أن يكون فارساً ضرورياً، لا مجرد خيار إضافي. يريد أن يشعر أنه بطل مُخلص مثل دواء سحري قادر أن يعيد المعنى ويستدعي الحياة لملاك مكسور مرة أخرى.
الإنسان بالعادة ينجذب إلى الحزن لأنه يعده بقصة أسطورية؛ فالسعادة حالة مستقرة لا تحتاج إلى تدخل، أما الحزن فهو بداية دراما قد تحدث تغييراً جذرياً في يوميات العاشق، إذ إن من يحب بشدة غالباً ما يميل إلى القصص بقدر ما يتعلق بخليله، لذلك يقع البعض في حب من يبدو مكسوراً، لا لأنه يراه جميلاً فقط، بل لأنه يرى نفسه بطلاً في حكاية الشفاء.
هناك أيضاً بعد أعمق حتماً؛ فالحزن تاريخياً يشير إلى العمق. المجتمع علمنا أن السطحية مبتسمة دائماً، بينما الوجوه التي مرت بتجارب قاسية تحمل ذلك البريق المعتم في العينين، فحين يقول شخص «أشوف بعينك حزن» فهو بالضرورة يقول ضمنياً بأني أراك، لا كواجهة اجتماعية لطيفة وعابرة بل ككائن معقد ومجروح. وهذه الرؤية بحد ذاتها شكل من أشكال الحميمية.
لكن الخطر يبدأ حين يتحول الحب إلى محاولة علاج، حين يصبح الحبيب مشروعاً إصلاحياً لا علاقة متبادلة، هنا يولد المرض بالحب. فالمحب ينهك نفسه في محاولة إنقاذ الآخر، والآخر قد يتمسك بحزنه لأنه عطب قد فات الأوان لتطبيبه أو لأنه مصدر الاهتمام الوحيد الذي يحصل عليه. وهكذا يدخل الطرفان في دائرة مغلقة من الاعتماد العاطفي.
ولهذا قال بطل مسرحية «ذا مان أوف مود» للكاتب الإنجليزي جورج إيثيريج: «إن الحب حين يمرض يجب أن يخضع لموت عنيف». الفكرة قاسية لكنها واقعية. بعض قصص الحب لا يمكن شفاؤها لأن المرض جزء من بنيتها وشرطها الداخلي، والاستمرار فيها يشبه محاولة التنفس داخل غرفة بلا نوافذ.
أكثر ما يمرض الإنسان ليس الفقد وحده، بل الأمل المعلق. أن يشاهد قصته وهي تموت ببطء دون أن يملك شجاعة الإجهاز عليها. عندها يبدأ الجسد بتمثل ما يحدث للروح، كأن الكيان كله يعيش حداداً لا ينتهي؛ يجب أن تنتهي القصة.
لذلك، كانت العيون الحزينة لا تزال تجذب العشاق رغم سخرية العالم؛ لأنها تعد بشيء خطير وجميل في آن: فرصة لأن تكون مهماً إلى درجة أن حياة شخص آخر تتغير بوجودك. لكن الحقيقة الأكثر مرارة، أن الحب لا يشفي الجروح العميقة دائماً، وأحياناً يفتحها أكثر.
العيون الحزينة ليست دعوة للحب يا سادة، بل علامة على حرب داخلية. ومن يقترب منها يجب أن يعرف أنه قد لا يكون الطبيب، بل الجندي التالي في المعركة القادمة.
شهد الراوي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :