زيادة رواتب القطاع العام وتمويلها من جيوب الناس: هل نكرّر تجربة ٢٠١٧؟
كتبت المحامية مريان شهاب الراعي
اليوم اتُّخذ قرار بزيادة رواتب موظفي القطاع العام، وترافق معه طرح تمويل يقوم أساسًا على رفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة ١٪ (أي من ١١ الى ١٢٪) وفرض زيادة ٣٠٠،٠٠٠ ل.ل. على صفيحة البنزين.
أنا لا أعارض مبدأ زيادة رواتب القطاع العام.
بالعكس: الموظف والعسكري والإدارة العامة انطحنوا بالانهيار، ومن حقهم تحسين دخلهم.
لكن السؤال الذي يهم الناس هو:
لماذا دائمًا يكون التمويل من جيوب المواطنين عبر ضرائب استهلاك؟ ولماذا يدفع الناس ثمن دولة لا تقدّم بالمقابل: لا طبابة محترمة، لا ضمان شيخوخة فعلي، لا خدمات، لا طرقات، لا نقل عام، ولا إدارة "مُمَكننة" تحترم وقت المواطن؟
ماذا يعني عمليًا رفع الـTVA والضريبة على البنزين؟
رفع الـTVA ليس تفصيلًا، هو ضريبة على الاستهلاك تطال الجميع لأنّها تدخل في أسعار السلع والخدمات يوميًا.
أما الضريبة على البنزين فهي تضرب كلفة النقل والتوزيع والإنتاج، وبالتالي ترفع الأسعار على كامل السلسلة، وليس فقط على من يملك سيارة.
وهنا بيت القصيد: نحن لا ندفع ضرائب مقابل خدمات دولة! نحن ندفع ضرائب فوق كلفة خدمات خاصة نشتريها أصلًا لأن الدولة غائبة!!!
"القرار اتُّخذ"… لكن ماذا عن القانون؟ ومن يملك سلطة إقراره أو وقفه؟
حتى لو خرج القرار سياسيًا من مجلس الوزراء، فرض الضرائب أو تعديلها دستوريًا يحتاج إلى قانون:
• الدستور يربط فرض/جباية الضرائب بقانون شامل يطبّق على كامل الأراضي اللبنانية.
• كما ينص على أن لا تعديل ولا إلغاء لأي ضريبة إلا بقانون.
وبالفعل، بعض التغطيات نقلت أن دفع الرواتب الإضافية رُبط بصدور قانون زيادة الـTVA وقانون فتح الاعتمادات الإضافية، وأن كلفة الزيادة قُدّرت بنحو ٨٠٠ مليون دولار.
هل يستطيع مجلس النواب "إيقافها" أو تعديلها؟
نعم، إذا كانت الزيادة الضريبية تحتاج قانونًا (وهذا هو الأصل)، يمكن لمجلس النواب:
1. رفضها أو تعديلها أثناء مناقشة مشروع القانون.
2. إقرار قانون بديل لتمويل الزيادة من مصادر أخرى أكثر عدالة.
3. ممارسة الرقابة السياسية: أسئلة، استجواب، وصولًا إلى طرح الثقة بالحكومة وفق الآليات الدستورية.
(وبالمقابل، إذا حاولت السلطة التنفيذية الالتفاف بقرارات أو مراسيم خارج نطاق التفويض الدستوري، يصبح الملف محل طعن ومساءلة، لأن الضريبة ليست قرارًا إداريًا عاديًا).
لماذا يشعر الناس أن هذا غير طبيعي وغير عادل؟
لأننا أمام معادلة معروفة في لبنان:
• زيادة ضرائب غير مباشرة TVA و محروقات.
• مع غياب خدمات الدولة
• ومع ضعف الرقابة والشفافية
فتتحول الضريبة إلى عبء غير عادل بدل أن تكون مساهمة مقابل خدمة.
حتى إعلاميًا واقتصاديًا، طُرح أكثر من مرة أن رفع الـTVA تحديدًا يُعدّ من الخيارات الأكثر إيلامًا اجتماعيًا حين لا يقابله نظام حماية اجتماعية وخدمات.
٢٠١٧ ليست سبب الانهيار لكنها كانت إنذارًا… وتسرّعت معه الأزمة:
في عام ٢٠١٧، تم ربط زيادة رواتب القطاع العام بحزمة ضرائب وحصل جدل كبير، ووصل الأمر إلى إبطال قانون الضرائب من المجلس الدستوري ثم إعادة إقراره بتعديلات.
الفكرة التي يجب أن تصل للناس اليوم:
الزيادة ليست خطأ بحد ذاتها… الخطأ هو تكرار نموذج التمويل نفسه دون إصلاح:
زيادة إنفاق + تحصيل سهل من الاستهلاك + دولة لا تنتج خدمات ولا تثق بها الناس.
نحن نريد الزيادة… لكن ليس "من جيوبنا وحدنا".
هذا هو موقف الناس الحقيقي، وهو موقف منطقي:
نعم لزيادة رواتب القطاع العام لكن التمويل يجب أن يبدأ بـ:
• ضبط الهدر (خصوصًا في الملفات المزمنة التي تستنزف المالية العامة).
• مكافحة التهرب الضريبي بجدية.
• وقف التهريب والمعابر غير الشرعية التي تُفرّغ أي سياسة ضريبية من معناها.
• توسيع القاعدة الضريبية بعدالة بدل تحميلها لمن يدفع أصلًا.
• إصلاح الإدارة والجباية والرقابة بدل "ضريبة أسهل" على المواطن.
أخيراً،
إذا كانت الدولة تريد استعادة الثقة، فلا تبدأ بها عبر ضريبة على البنزين ورفع الـTVA قبل أن تثبت للناس أين تذهب الأموال وكيف تُصرف، وما هي الخدمات التي ستعود عليهم.
الناس لا ترفض "الدولة"، الناس ترفض أن تُعامل كصراف آلي لدولة لا تعطي بالمقابل.
نريد دولة… نعم.
لكن نريدها دولة عدالة وشفافية وخدمات، لا دولة جباية فقط.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي