ما لم يقله سعد الحريري
محمد المدني
لا تُقاس الكلمات فقط بما يُقال، بل بما يُحذف عمداً منها. كلمة الرئيس سعد الحريري في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بدت للوهلة الأولى خطاب عودة، لكنها عند التدقيق كانت خطاب تثبيت حضور أكثر منها إعلان مرحلة جديدة. الحشود كانت كبيرة، والرمزية عالية، لكن النص نفسه كان شديد الحذر.
الحريري لم يقل الجملة الحاسمة التي ينتظرها الجميع، لم يعلن رسمياً عودته إلى العمل السياسي، ولم يعلن ترشحه أو خوض "تيار المستقبل" الانتخابات. ترك الباب مفتوحاً، واكتفى بعبارة توحي بالاحتمال لا بالحسم. وهذا ما يعتبر موقف مدروس في بلد تحكمه التوازنات الدقيقة، إعلان العودة الكاملة يعني الدخول فوراً في بازار التحالفات والخصومات، وهو ما تجنبه الحريري.
وفي الملف الأكثر حساسية، تحدث الحريري عن الدولة الطبيعية واحتكار السلاح بيد الشرعية، لكنه تجنب التسمية المباشرة أو الاشتباك الحاد. اختار صياغة مبدئية عامة بدلاً من مواجهة مباشرة. البعض رأى في ذلك حكمة، والبعض اعتبره استمراراً للغموض الذي طبّع مراحل سابقة. لكن المؤكد أن الرجل لم يفتح معركة، بل أشار إليها من بعيد.
الأكثر لفتاً للانتباه كان صمته حيال علاقته مع المملكة العربية السعودية. لم يحضر اسم الرياض كعنوان سياسي واضح كما في سنوات سابقة، ولم تُقدَّم العلاقة كمرتكز لعودته المحتملة. هذا الصمت لا يمكن اعتباره عابراً، فالحريرية السياسية ارتبطت تاريخياً بالعمق العربي الذي شكّلته المملكة، لكن المرحلة تغيّرت، والسعودية نفسها تغيّرت. لم تعد تمنح غطاءً مفتوحاً، بل تنظر إلى لبنان من زاوية مشروع دولة وإصلاح. وربما لذلك اختار الحريري أن يبقي العلاقة خارج العلن، لا قطيعةً ولا استعراضاً.
كذلك لم يقدم الحريري مراجعة تفصيلية للمرحلة السابقة، ولا اعترافاً صريحاً بأخطاء التسويات التي شكّلت منعطفاً في مسيرته. قال إن جزءاً من المسؤولية يقع عليه، لكنه لم يسمِّ الخطأ ولا حدّد أسبابه. هذا الغموض قد يكون مقصوداً كي لا يغلق أبواباً قد يحتاجها لاحقاً، لكنه في الوقت نفسه يترك انطباعاً بأن الصفحة لم تُطوَ بالكامل.
الخطاب أيضاً خلا من برنامج اقتصادي واضح أو خريطة طريق تفصيلية. الكلام عن الإعمار والدولة والاستقرار بقي في إطار المبادئ العامة، من دون تفاصيل تنفيذية. وكأن الرسالة الأساسية لم تكن "هكذا سأحكم"، بل "أنا ما زلت هنا".
إذاً، ما لم يقله الحريري في تلك الكلمة هو ما يحدد ثقلها الحقيقي. لم يحسم عودته، لم يحسم تحالفاته، لم يحسم موقعه الإقليمي، ولم يحسم معركته الداخلية. هو أعاد تثبيت اسمه في المعادلة، واختبر ردود الفعل، وترك القرار للمرحلة التالية.
في لبنان، لا تُعلن القرارات الكبرى على المنابر دائماً، بل تُطبخ في الكواليس. وكلمة الحريري كانت أقرب إلى مرحلة استطلاع منها إلى إعلان هجوم. قد تكون تمهيداً لخطوة أكبر، وقد تبقى خطاب ذكرى سنوي يتجدد مع كل 14 شباط. الفاصل بين الاحتمالين ليس ما قيل، بل ما سيُقال لاحقاً، وما سيُفعل بعد أن تهدأ الساحة وتغيب الكاميرات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي