انتبه أمامك دبّ!

انتبه أمامك دبّ!

 

Telegram

حسنٌ، أنا في الرابعة والخمسين من عمري، وغداً عيد الحبّ، يرجى أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار وأنت تقرأ وتنبّه للحسرة والمبالغة في الأنساق المضمرة لهذا المقال، ولكن تنبّه أيضاً إلى هدأة العمر الذي ألبسنا رداء الحكمة مجبرين بعد أن خبت نار العواطف والأحاسيس.

ولأن الحب، بمعناه "القاتولي" ليس من الحكمة في شيء، ولأنه ثعلبة في فروة الرأس ومسمار لحم في أخمص القدم، ولأنه خلع ولادة واختلال طرفي، يتبادل العشاق في يوم الحب الدببة!

 وبالمقابل، لأن الإنسان يعيش على القصص والحَكايا، واخترع كل تلك الحروب والأفكار والحوادث فقط ليرويها، فقد طوّر التجّار - الرأسماليون طبعاً - قصة الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت حينما امتنع عن إطلاق الرصاص على دبٍّ ضخم، لكنه جميل بملامح طفولية، فاخترعوا "تيدي بير" ليصنع "ثيمته" يوماً بعد يوم ويصبح رمزاً للحنان والاحتواء والحب.

وبعيداً عن الدب قريباً من السلحفاة، يروي التراث الشعبي الياباني عن صيادٍ مسكين أنقذ سلحفاة عالقة في الحبال، فتقوده إلى قصر إله الماء، وهناك يعشق ابنته ويظل لديها ألف عام! وحينما ملّ أخيراً وعاد، أهدته صندوقاً وأوصته ألا يفتحه لكنه فعل ككل الحكايا، وتحول إلى شيخٍ هرمٍ ومات.

ولكن السلحفاة التي ردّت الجميل هنا ليست لوحدها من الحيوانات من فعل هذا، إذ أنقذ صيادٌ من بورتريكو اسمه تشينو، تمساحاً مرعباً بطول خمسة أمتار كان مصاباً إصابات خطيرة جرّاء اعتداء بالسلاح، فعالجه لأيام ثم أطلقه في البحيرة، إلا أن التمساح ظل يذهب لدار تشينو كل صباح ليسلّم عليه، وظل على هذه الحال على مدى خمسين عاماً حتى أصبح تشينو والتمساح "بوتشو" أصدقاء أكثر من صداقتي أنا ووليد الأندور، وأصبحا مزاراً سياحياً وقبلة لناشيونال جيوغرافيك وأخواتها من الوثائقيات.

كاريكاتور رسمه كليفورد بيريمان الحائز على جائزة بوليترز للرئيس روزفلت يعفو عن الدب ومنها بدأ التحول

يا للحزن والكوميديا السوداء أيها الحب! في قصة شغلت الصحافة الأمريكية ثلاثينيات القرن الماضي، أحبّ الطبيب كارل كوسيل، مريضته "ماريا" التي ماتت بعد مرض ميؤوس منه وعلاج يائس، فما كان من كارل إلا أن دفع تكاليف جنازتها، وسرق جثتها ورممها بأوتار البيانو وأوقفها على قاعدة شماعة الملابس، وصنع لها عينين زجاجيتين كلون عينيها، ثم عاش معها سبع سنوات طوال، يحدثها ولا تحدثه!

وقريب من هذا، حينما ماتت زوجة الياباني، إيشيكاوا، تزوج من الدمية كوريكو التي تشبه زوجته وكان يلبسها ملابس زوجته، ويخرج بها إلى أحبّ الأماكن لدى المرحومة، ويشتري فنجاني قهوة حتى اعتاد عليه الحي والناس.

ومثله فعل الهندي راجيف الفلاح المسكين والفقير والذي ماتت زوجته بسبب طريق جبلي وعر تعبره كل يوم لتأتي بالماء للدار، فقرر أن يشق طريقاً بين القرية والنبع بفأسه وبيده دون طلب المساعدة على روح الفقيدة، وقد نجح في ذلك بعد عشرين عاماً.

إلا أن إيشكياوا وراجيف، المثال الأعلى للحبيب المرتجى والمؤمل من جميع نساء الأرض، هما حالة نادرة من سوء حظ النساء، إذ أن العاشق الفرنسي الصنديد "باتريك فو"، سجلت باسمه 213 حالة حب، وقد انكشف أمره بعد عدّ الأقفال الموقعة منه على جسر الفنون في باريس، مكان ما يأتي العشاق ليضعوا قفلاً باسميهما كتميمة وتعويذة لطول العمر، وحينما جوبه وسئل عن هذا، قال: 213 فقط؟ لا.. لا، لقد سرق الجسر أكثر من مرة!

يقول ابن الفارض: "هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل فما اختاره مضنىً به وله عقلُ"، نعم أُقرّ ذلك وأبصم عليه بالعشرة، منذ أسابيع، في بلد عربي شقيق، استيقظ رجلٌ وقد قطعت له زوجته وحبيبته عضواً عزيزاً منه، (عزيز عزيز يعني!)، وفي محضر الأقوال في المخفر القريب، أثبتت الزوجة أن الرجل كان عضواً، غير عزيز، في جمعيات الخيانة والمجون والسهر والليالي الحمراء، بعدما قضى سنوات طوال وهو يحب ويعشق زوجته المجرمة.

والشيء بالشيء يذكر، تروى الحكاية اليابانية قصة تومو تاداموتو، القائد العسكري الذي أحب "ماساكو" ابنة الإمبراطور "الدلوعة" المدللة، والتي على الطالعة والنازلة تخوّن حبيبها تومو الفارس المغوار والقائد الذي لا يشق له غبار، والساموراي الذي لا يلحق به العار. فما كان منه وهو المخلص للإمبراطورية وحبيبته غريبة الأطوار، إلا وأن قام هو شخصياً بقطع عضوه العزيز ثم لفّه بورق بردي منقوش بقصيدة حبّ عظيمة وأرسله، (أو أرسلها أيهما أقرب) لحبيبته التي هجرته في اليوم الثاني لأسباب لوجستية.

وعلى ذكر القادة العسكريين العظام ممن "شرشحهم" الحبّ، سيقفز نابليون المرعب إلى الذاكرة، ذلك المجنون الذي جنن العالم بقسوته وعنجهيته الفرنسية الأصيلة، وهو يقول لحبيبته هيلين في إحدى رسائله العجائبية: "سامحيني على رسائلي المجنونة التافهة، حبّي الملتهب أفقدني صوابي وها أنا ذا كطفل يهذي، هل تذكرين الحلم الذي رويته لك بأنني خلعت لك حذاءك وجعلتك تدخلين في قلبي؟ لماذا لم يحقق لنا القدر هذه الأمنية؟".

وعلى ذكر الأحذية، يروى أن إيميلدا ماركوس زوجة رئيس الفلبين الأسبق والتي تلقب بالفراشة الحديدية، كان لديها 2700 زوج من الأحذية! وقد جثمت مع زوجها الرئيس - مزور الانتخابات - أكثر من عشرين عاماً، قبل أن يطاح بهما وببذخهما بثورة شعبية، وحين شكلت لجنة لإعادة المنهوبات، استطاعت اللجنة أن تعيد ما قيمته 21 مليون دولار من مجوهرات وألماس وذهب اقتنته السيدة الأولى بينما كان شعبها يموت فقراً. وصدرت قائمة بمقتنياتها الفاخرة الفاجرة بما يشيب له الولدان ويُصبى الحلمان، إلا أن أكثر من 150 لوحة لفان كوخ وبيكاسو ورينوار ومن على شاكلتهم ظلت في عداد المفقودين.

إحدى الصحف الفلبينية، وبعد عودة إيميلدا من المنفى وفوزها في انتخابات مجلس الشيوخ كتبت "مانشيت عريض" قالت فيه: "يبدو أن الأحذية تجرّ أحذية.. والفقراء يحبّون من يدعس عليهم".

عوداً على ذي بدء، حدثني رجلٌ من الثقاة،...
(انتهى المقال).

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram