تصورت، كالناس، أني يوم أرحل سأترك العالم كما أعرفه. فيه صراع، ولكن فيه معايير أخلاقية تسند الأمل بانتصار الخير. انحط فيه السياسيون الغربيون في العقد الأخير، ولكن ديغول وتشرتشل لا يزالان مثلاً له كشخصيتين استعماريتين ولكن متماسكتين. لذلك ارتعدت، كالناس، من اكتشاف شبكة إبستين العالمية. ثلاثة ملايين ونصف المليون وثيقة، وملايين الصفحات التي تفصّل في رسم مجموعة سياسية دولية تدير الصفقات، وترسم الخرائط، وتضع معايير الجيد والسيء، وتشيطن أنظمة وتقصف أنظمة! كأن العالم انهار ولم يشيد بعد عالم بديل، ونحن الآن في فراغ، وقد دمرت جميع القيم التي ربتها الحضارات والتقاليد والأديان. وكأن ما اجتهدت الثقافة طوال عصور لتربيته في الوجدان، وجميع الأساطير الجميلة التي ربي عليها الأطفال، رميت كالقمامة. فالمؤسسة التي تعمل "لتمكين النساء" تصدّر الفتيات القاصرات لمتع الجنس. وقطعة من كسوة الكعبة التي لامسها ملايين المؤمنين، زينةٌ لمدير شبكة الشر. وتعذيب الأطفال طقس ممتع للرؤساء الذين يحكمون مصائر الشعوب. فمن نذكّر بأن النبي رفع حاتم الطائي إلى مقام المؤمنين بمكارم الأخلاق؟!
ربما كنا نتوهّم أن الصفقات ونهب الثروات ورسم الخرائط تجري في مستوى مجرد. فصدمنا أن نكتشف أن المجموعة التي ترسم الهيمنة على العالم، خططت بعقل شرير تدمير الثوابت والمعايير التي ربتها المجتمعات وحرستها القوانين. ولكي تنجح كسرت الحنان على الأطفال، ورعاية القاصرين، وصفات الفروسية والرحمة وتقدير النقاء. ومن غفلتنا لم نلاحظ ذلك في إبادة المدنيين الغزاويين.
والآن يفاجئنا أن ذلك التخطيط للعالم لم يكن بعيداً عنا، فأبطال تلك الشبكة الشريرة متصلون بالموساد والمؤسسات الاستخبارية الدولية، ومنهم رسامو خرائط منطقتنا! ونخمّن أن من ذلك التخطيط لها تشويه المنظومات الفكرية والعقائدية التي تسند الضمير العام بمرجعيات تقليدية. وكان في ذلك السياق، اختراقُ الأحزاب والتجمعات. ووضعُ الإسلام كخطر تجب مواجهته. والمعهدُ الذي ينتج إسلاميين مزيفين في الأرض المحتلة ليصدّرهم بأسماء إسلامية. وصناعةُ يساريين ويمينيين انتهازيين ليبتعد الناس عن السياسة. وتلفيقُ مفكرين علمانيين وآخرين بعيدين عن العلمانية.
هكذا هُدمت جميع المرجعيات الفكرية والأخلاقية، ليصبح البشر تائهين، دون تجمعات يأنسون إليها، دون ثوابت أخلاقية وإيمانية يستقوون بها روحياً. وسطت على هذا الفراغ المؤسسات الفضائية فلاحقتهم إلى بيوتهم. وغيّبت الثقافة التي تُمتع بتذوق الأدب وتأمل لوحات العلاقات الإنسانية، وبهجة الجمال. ويمكن أن نستنتج أن نشر التفاهة والفساد وهوى المناصب، كان من تفاصيل الدمار الشامل الذي أدارته تلك المجموعة من أشرار العالم، الممتدة من البلاطات الملكية والمنظمات الإنسانية والنسوية، إلى مؤسسات الاستخبارات الدولية.
في هذا الفراغ الشاسع تبدو العودة إلى الكلاسيكيات الثقافية والفكرية، واستعادة الرحمة والحنان ومكارم الأخلاق ضرورة لمواجهة القسوة والانتقام والانحطاط، التي تؤسس عالم إبستين. كيلا نترك أعزاءنا، يوم نرحل، ضحية الشر أو غيبوبة الفراغ.
د. ناديا خوست .. كاتبة وأديبة سورية
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :