حين تقصف القوافل… ويصاب المعنى!

حين تقصف القوافل… ويصاب المعنى!

 

Telegram

في بلادنا لا يظهر الموت بوصفه رقماً. لا يأتي في هيئة جدول إحصائي أو بيان عاجل.

يأتي على شكل لعبة طفل ملقاة على طريق محترق، على هيئة شاحنة مساعدات توقفت فجأة، كأنها ترددت قبل أن تموت، وعلى هيئة نار تشبه فماً مفتوحاً يبتلع كل ما كان يسمى أملاً.

شاحنات محمّلة بما يسد رمق الجوع، بما يُسكّن ألم النزوح، بما يُذكّر الناس أنهم ما زالوا مرئيين. وحين سقطت، لم يسقط الحديد وحده، سقط المعنى.

في تلك اللحظة، صار السؤال مختلفاً. لم يعد… من قُتل؟ إنما ما الذي يستهدف حقاً؟

النساء اللواتي كنّ ينتظرن وصول الطعام لم يكن جزءاً من حرب. الأطفال الذين احتموا خلف الشاحنات، لم يعرفوا معنى الجبهات. الجرحى الذين سقطوا لم يكونوا دروعاً بشرية، كانوا بشراً فقط.

وحين تقصف القوافل، لا يكون الهدف تعطيل الإغاثة فحسب، يكون الهدف كسر فكرة أن للإنسان حقاً في النجاة.

واللون الأحمر لا يرمز للدم فقط، بل للفشل الأخلاقي الجماعي، للفجوة الهائلة بين ما يُعلن في المؤتمرات وما يحدث على الطرق الترابية، حيث يمشي الجوع حافياً.

هناك دمية محشوة بالتراب والرماد. دمية لا اسم لها. ربما كانت تسمّى أميرة، أو نور، أو مريم.

ربما كانت آخر ما حمله طفل قبل أن تنطفئ الفكرة نفسها، فكرة أن العالم يمكن أن يحمي الصغار!

الهجوم على قوافل المساعدات ليس حادثاً عابراً، إنه رسالة مفادها أن الطعام لم يعد محايدًا، والإسعاف صار هدفاً، والرحمة باتت موضع شك.

وحين تتأخر ردود الفعل، أو تأتي باهتة، أو محاطة بلغة دبلوماسية مبرمجة، يتأكد القتلة أن العالم يفاوض على الكلمات أكثر مما يفاوض على الأرواح.

النازحون الذين كانوا ينتظرون تلك القافلة لم يعودوا ينتظرون شيئاً. الانتظار نفسه صار ترفاً. صار فعلاً مؤلماً يشبه الوقوف على حافة هاوية، مع علم مسبق أن لا أحد سيمد يده.

في زمن الحروب، يعاد تعريف كل شيء، يعاد تعريف العدو، والضحية، والضرورة. غير أن هناك خطاً واحداً إذا سقط، سقطت الإنسانية معه، خط المساعدات.

الصمت الذي يلي القصف أكثر قسوة من الانفجار نفسه، صمت المؤسسات.

صمت العالم المتخم بالأخبار، الذي يمر على الصور كما يمر على إعلان عابر.

صمت يجعل الضحية تشك إن كانت تستحق النجاة أصلاً.

وفي المقابل، هناك من يصرخ، من يكتب، من يعيد نشر الصورة رغم ثقلها.

ليس لأنهم يعشقون الألم، بل لأنهم يخافون من نسيانه.

القوافل ليست مجرد شاحنات، هي اختبار أخلاقي متنقّل. وحين تفشل في العبور، نفشل جميعاً.

في هذه الحروب، لا يقتل الناس فقط، يُقتل الإحساس بأن العالم عادل بما يكفي ليحمي الضعفاء، يقتل الإيمان بأن القانون الإنساني ليس حبراً على ورق، يقتل الوهم الأخير بأن الضمير العالمي ما زال يعمل.

ورغم ذلك، هناك شيء لا يقصف بسهولة، هو ذاكرة الصور.

الكلمات التي تكتب بعد الصدمة، القصص التي تروى عن نساء كن يحملن أكياس الطحين، عن أطفال لم يفهموا لماذا تأخرت الشاحنة، ولماذا احترق الطريق.

هذه الكتابة ليست رثاءً، هي شهادة.

حين تقصف القوافل، لا تسقط المساعدات وحدها. يسقط امتحان الإنسانية. والسؤال الذي يبقى، ثقيلاً، بلا إجابة: كم قافلة أخرى يجب أن تقصف، قبل أن يعترف العالم أن الحياد أمام الجريمة ليس حياداً، وأن الصمت شكل آخر من أشكال المشاركة؟

 

الجسد تحت الاستجواب

 

لم تبدأ الحكاية بيد امتدّت، بدأت بجملة. في حافلة عامة، توجّه رجل مسن إلى فتاة لا يعرفها وسألها: أنتِ لابسة كده ليه؟ في تلك اللحظة، وضع الجسد في قفص السؤال. حين يضع المجتمع الجسد الأنثوي موضع الاستفهام علناً، لا يعود جسداً، يتحوّل إلى قضية، إلى مادة للتقييم، إلى مساحة مفتوحة للتدخل.

بعد دقائق، أعاد المتحرش الجملة نفسها. لم يبتكرها، ولم يحتج إلى جرأة إضافية. التقطها من الهواء العام، سمعها تمر أمام الجميع من دون اعتراض، ففهم الرسالة كاملة، الكلام مباح، الجسد متاح، واللوم جاهز. هكذا ينتقل العنف، من عبارة إلى أخرى، من نظرة إلى يد، من تساهل اجتماعي إلى فعل فج. الوجع في هذه القصة لا يكمن في الفعل وحده، إنما في المسار الذي مهّد له.

اللغة هنا ليست تفصيلاً هامشياً، اللغة هي البنية. حين يربط الخطاب العام الأمان بملابس المرأة، فهو يعلن ضمنياً أن الفضاء العام ليس لها كاملاً، وأن وجودها مشروط، وأن عليها أن تتقن فن الانسحاب كي تنجو. تقف الفتاة في هذه الحكاية بين روايتين، رواية تؤكد أنها صرخت واحتجّت، وأخرى تتذرّع بتباين الوقائع واستمرار التحقيق. غير أن سؤالاً واحداً يبقى خارج أي تحقيق، لماذا يطالب المجتمع المرأة دائماً بإثبات براءتها مرتين؟ مرة لأنها ضحية، ومرة لأنها امرأة.

في الشارع، في الحافلة، في العمل، لا يمنح الجسد الأنثوي افتراض الأمان. يفحص قبل أن يحترم، تقرأ ملابسه كما تقرأ الأدلة، أما الرجل، فيكفيه أن ينكر، أو أن يدخل مساراً طويلًا من الإجراءات التي تنهك الضحية أكثر مما تحاسبه.

الأكثر قسوة في القصة ليس الرجل المسن وحده، ولا المتحرش وحده، الأكثر قسوة هو الصمت الذي وقف بينهما. ذلك الصمت الذي سمح للعبارة الأولى أن تمر، وللثانية أن تتكرّس، وللثالثة أن تتحوّل إلى منطق عام. مجتمع يسأل الفتاة: لماذا كنت هناك؟ لماذا لم ترتد كذا؟ ولا يوجّه للرجل سؤالاً واحداً عن مسؤوليته.

 

في هذا المشهد المختل، تتحوّل المرأة إلى مشروع احتراز دائم. تفكّر قبل أن تخرج، تخطّط قبل أن تمشي.

هنا يتحوّل العنف إلى بنية اجتماعية لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى قوة جسدية، تحتاج فقط إلى لغة تتكرّس، وصمت يباركها. القضية، في جوهرها، ليست حافلة، ولا حادثة فردية، ولا فيديو عابر. هي سؤال قديم يتجدّد، من يملك الفضاء العام؟ ما دام الجواب مختلاً، وما دامت النصيحة توجَّه للضحية لا للفاعل، وما دام التعليق على الجسد يعامل كأمر عادي، سيبقى كل تحقيق ناقصاً.

 

مريم مشتاوي .. كاتبة لبنانيّة

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram