رحل الشاعر والمسرحي البريطاني توني هاريسون عن عمر يناهز الثامنة والثمانين، بعد مسيرة حافلة بالكتابة للمسرح، بوصفه مترجمًا فذًا للنصوص الكلاسيكية من جهة، وكاتبًا مسرحيًا بالغ الابتكار من جهة أخرى.
من ت. س. إليوت وتيد هيوز إلى كارول آن دافي وسايمون آرميتاج، كتب عدد كبير من الشعراء مسرحياتٍ قليلة ومتفرقة. غير أنّ أعمال هاريسون المسرحية الكاملة تمتدّ إلى ستة مجلّدات، وتضم تسع عشرة مسرحية طويلة. ويشكّل جزء معتبر منها ترجمات عن اليونانية القديمة – وتُعد نسخته من ثلاثية إسخيلوس «الأوريستيا» (1981) أكثرها قابلية للأداء المسرحي – أو عن الفرنسية، حيث أنجز عام 1973 ترجمة مقفّاة لافتة لمسرحية موليير «عدو البشر».
لكن مع تطور تجربته المسرحية، اتّجه هاريسون أيضًا إلى كتابة نصوص أصلية، من أبرزها «متعقبو أوكسيرينخوس» (1990) و«دوائر مربّعة» (1992)، وهما عملان يُنظر إليهما بوصفهما أهم ما كُتب من مسرح شعري جديد باللغة الإنجليزية منذ مسرحية إليوت «جريمة قتل في الكاتدرائية» (1935).
كانت ترجمات هاريسون ثمرة تعليم كلاسيكي استثنائي أُتيح لطفل من الطبقة العاملة في مدرسة ليدز الثانوية في خمسينيات القرن العشرين، قبل أن يعمّق معارفه باللاتينية واليونانية في جامعة ليدز.
وقد لاحظ الشاعر والناقد شون أوبراين أن شعر هاريسون المطبوع «يصرّ على كونه كلامًا منطوقًا لا صمتًا حبيس الصفحة»، وهي خاصيّة لغوية حيوية قادته منطقيًا إلى كتابة نصوص خُلقت لتُؤدّى على الخشبة، لا لتُقرأ في عزلة.
وأثناء عمله أستاذًا في جامعة أحمدو بيلو في نيجيريا بين عامي 1962 و1966، كتب هاريسون أولى تجاربه المسرحية، متعاونًا مع زميل له في إعداد «أكين ماتا» (1964)، وهي معالجة محلية لمسرحية أريستوفانيس «ليسيستراتا»، الكوميديا التي تروي إضرابًا نسائيًا جنسيًا احتجاجًا على الحرب من قبل النساء اليونانيات. وقد آثر هاريسون لاحقًا كتم هذا النص، رغم أن بعض النقاد رأوا أن الطابع الطقسي والبصري للمسرح الإفريقي ترك أثره في أعماله اللاحقة.
عند عودته إلى إنجلترا في مطلع السبعينيات، اختاره المخرج جون ديكستر لمعالجة معضلة طالما واجهت المسرح الإنجليزي: لماذا نادرًا ما تنجح الكلاسيكيات الفرنسية على خشباته؟ كانت الإجابة تقنية بالدرجة الأولى، وتتمثل في اعتماد المسرح الفرنسي الكلاسيكي على البيتين الإسكندريين المقفّيين، وهما بيتان من اثني عشر مقطعًا صوتيًا يعتمد كثيرًا على أنصاف القوافي، وهي أسهل تحقيقًا في الفرنسية منها في الإنجليزية، ما دفع معظم المترجمين إلى اللجوء إلى الشعر المرسل أو النثر.
كلّف ديكستر هاريسون بترجمة «عدو البشر» لموليير و«فيدرا» لراسين، مع الالتزام الصارم بالقافية والإيقاع الاثني عشري. وبعد تجارب طويلة، كان هاريسون خلالها يلقي مسوداته بصوت عال وهو يجوب مستنقعات شمال إنجلترا، طوّر تقنية ضغط لغوي دقيقة، تُنتج أسطرًا سريعة الإيقاع وقابلة للنطق المسرحي، مثل قوله: «قوام الحبيبة كتمثال فينوس دي ميلو».
وعبر نقل «فيدرا» إلى سياق الهند في ظل الحكم البريطاني، تمكّن هاريسون من توسيع مخزون القوافي في الإنجليزية بذكاء لافت، مستفيدًا من مفردات استعمارية – محلية مثل: «راج/ تخريب» (Raj/ Sabotage)، «درجات/ روبيات» (Degrees/ Rupees).
وقد قُدّمت مسرحيتا «عدو البشر» و «فيدرا البريطانية»، من بطولة ديانا ريغ، على خشبة المسرح الوطني في مسرح أولد فيك بين عامي 1973 و1975، وحققتا نجاحًا نقديًا وجماهيريًا، ولا تزالان حتى اليوم نصّين ممتعين قراءةً وأداءً.
كان من بين الحكايات التي اعتاد توني هاريسون أن يرويها، بوصفها كاشفة عن بنية النظام الطبقي الإنجليزي، قصةُ ذهابه إلى دورة المياه في إحدى لياليه المسرحية الأولى، ثم عودته ليجد والده واقفًا عند باب القاعة، يحدّق في كفّه بذهول، وقد امتلأت بتذاكر كما لو كان سمسارًا خارج ملعب رياضي. قال الأب: «الناس يواصلون إعطائي تذاكرهم». وكانت ملابسه الأنيقة ليوم الأحد قد أقنعت أبناء الطبقة الوسطى بملابسهم شبه الرسمية بأنه لا بد أن يكون أحد مرشدي الحفل.
وعندما انتقل المسرح الوطني إلى ضفة التايمز الجنوبية في منتصف السبعينيات، كلّف المدير الفني بيتر هول هاريسون بمهمة مسرحية أخرى كثيرًا ما أخفق فيها غيره: نقل الدراما اليونانية إلى أسطر كُتبت لتُقال على الخشبة لا لتُقرأ على الصفحة. وقد تمثّل حلّ هاريسون في مسرحية «الأوريستيا»، كما في نصوصه الفرنسية، في ضغط المحتوى اللغوي، غير أنه لجأ هنا إلى ابتكار كلمات هجينة موصولة بشرطة، مثل: «كلاب الحقد» و«نزف الدم». وكان شديد الإصرار على التزام الممثلين بالإيقاع المقطعي الدقيق، حتى إنه وصف دوره في قاعة التمارين، بروحه الساخرة المعهودة، بأنه «الرجل الذي جاء ليقرأ الوزن».
ومنذ أن كان يُوبَّخ في المدرسة لأن ترجماته بدت «شعبية أكثر من اللازم» – على حدّ تعبيره في قصيدته «جمعية الكلاسيكيات» – ظلّ هاريسون يتوق إلى بلاغة أدبية تعكس نبرة يوركشاير المحكيّة. وقد بلغ هذا الطموح ذروته في مسرحية «الأسرار»، التي عُرضت للمرة الأولى في المسرح الوطني عام 1977. أعاد هاريسون فيها تشكيل المسرحيات الدينية الوسيطة التي كانت تؤديها نقابات الحِرَف في ويكفيلد ويورك وغيرها، محوّلًا إياها إلى ثلاث مسرحيات: «الميلاد»، «الآلام»، و«يوم الدينونة»، وهي عروض تستغرق يومًا كاملًا عند تقديمها كاملة.
وإلى جانب المفردات واللهجة اليوركشايرية، اتسمت اللغة في «الأسرار» بتكثيف الجناس الاستهلالي العنيف. ففي مشهد الخلق، يملأ الله البحر بـ: «أسماك ترفرف بزعنفة، بعضها بحراشف وبعضها بأصداف».
ومن أسباب انجذاب هاريسون إلى كتابة المسرحيات من الصفر شعوره بالإحباط من حقيقة أن حتى أكثر الترجمات نجاحًا نادرًا ما تُعاد إلى الخشبة، إذ تميل المسارح إلى طلب نسخ جديدة باستمرار. كما تأثّر هذا التحول الدرامي بانغماسه في العمل التلفزيوني. ففي عام 1984، كتب مسرحية (The Big H) لقناة بي بي سي الثانية، بالتعاون مع المؤلف الموسيقي دومينيك مولدوني، وهي دراما موسيقية للأطفال مستوحاة من قصة هيرودس. كما عمل مع منتج الـ بي بي سي بيتر سايمز على سلسلة من القصائد – الأفلام المصحوبة بتعليقات شعرية، من بينها «مأدبة المُجدِّف» (1989)، التي تناولت التهديد بالقتل المفروض على الكاتب سلمان رشدي.
أما أولى مسرحيات هاريسون الأصلية للمسرح، «متعقبو أوكسيرينخوس»، فقد نسجت بذكاء شذرات موسّعة من مسرحية ساتيرية مفقودة لسوفوكليس مع قصة علماء الآثار الذين عثروا عليها. أما عمله اللاحق «دوائر مربّعة»، فقد تناول أخلاقيات العلماء من خلال قصص مخترعي الرشاشات والأسلحة الكيميائية. وقد تضمّن الإخراج عناصر ابتكارية، من بينها خدع سحرية حيّة، غير أن الجمهور لم يُقبل على العرض، وسجّل المدير الفني آنذاك للمسرح الوطني ريتشارد آير في يومياته المنشورة أن العمل كان «نوعًا من الكارثة النبيلة» التي كان ينبغي عليه أن يبذل جهدًا أكبر لإنقاذها.
وقد أخرج آير نفسه مسرحية «مسرحية الأمير» (1996)، وهي معالجة لمسرحية فيكتور هوغو «الملك يلهو» (Le Roi S’Amuse)، عكست النزعة المناهضة للملكية التي ستقود هاريسون لاحقًا إلى استبعاد نفسه، في قصيدته «مأزق شاعر البلاط» (Laureate’s Block)، من أي تفكير في تولي منصب شاعر البلاط. أما مسرحية «فرام» (2008)، التي تناولت رحلات الاستكشاف القطبي، فقد بدت غير ناضجة مسرحيًا، وكانت آخر تعاون له مع المسرح الوطني، رغم أن إعادة تقديم «متعقبو أوكسيرينخوس» و«دوائر مربّعة» في مسرح فينبورو بلندن عامي 2017-2018 أظهرت العملين في صورة لافتة.
وفي المحصلة، وعلى الرغم من افتقاره إلى الرغبة في احتساء نبيذ الملكة بوصفه شاعر الأمة، فقد أصبح توني هاريسون، على امتداد أربعة عقود، شاعر المسرح الوطني البريطاني.
الترجمة عن صحيفة «الغارديان» البريطانية.
مارك لوسون Mark Lawson: كاتب ومذيع يعمل في صحيفة «الغارديان».
رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُقيم في الأردن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :