معرض إيفا جوسبان وتحدي الكرتون للهشاشة والذاكرة

معرض إيفا جوسبان وتحدي الكرتون للهشاشة والذاكرة

 

Telegram

كلما زرت باريس، ينتابني ذلك الإحساس المزدوج: الدهشة والارتياب. مدينة تبدو وكأنها استنفدت تاريخها الفني منذ زمن، لكنها لا تزال، في كل زيارة، قادرة على طرح أسئلة جديدة، بدل تقديم أجوبة جاهزة. أخرج من قاعة عرض، أو متحف وأنا مثقلة بالأفكار أكثر مما دخلت، وكأن الفن هنا لا يُقدَّم للاستهلاك البصري، بل للمساءلة.
حين أعود إلى بيروت، تتخذ هذه الأسئلة شكلًا آخر. مدينة لا تحيط فنها دائما مؤسسات راسخة، ولا تعرضه بالوفرة ذاتها، لكنه حاضر بوصفه ضرورة تُمارَس وسط الهشاشة، كوسيلة للفهم أو للحفاظ على معنى ما في مواجهة الزوال. بين باريس، حيث الفن مؤطَّر ومتاح، وبيروت، حيث الفن هشّ في شروطه، لكنه مُلحّ، في جوهره، هنا تتضح المسافة لا كجغرافيا فحسب، بل كاختلاف في شروط الرؤية والعيش.
أمام كهوف وغابات لإيفا جوسبان مصنوعة من كرتون مضغوط، مادة يومية وهشة، بدا لي العمل وكأنه يلتقط هذا التناقض ذاته. الهشاشة هنا تشبه هشاشة مدن نعرفها، لكنها تتخذ هيئة عمارة، أثرا، وذاكرة. من هنا يبدأ Grottesco، لا كمعرض يُشاهَد، بل كسؤال يُرافق الزائر خارج القاعة، وربما خارج المدينة نفسها.

جوسبان وعالمها البصري

إيفا جوسبان، Eva Jospin الفنانة الفرنسية التي ولدت عام 1975 ودرست في المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس، هي واحدة من أرقى المدارس الفنية في فرنسا، وتشتهر بتخريج فنانين عالميين مثل جوسبان المعروفة منذ سنوات بقدرتها على تحويل المواد اليومية إلى عالم بصري غني بالتفاصيل والرموز. ركزت أعمالها على الكرتون المقوّى، مادة بسيطة وهشة، لتنشئ منها كهوفا وغابات، ومشاهد مأخوذة من ذاكرة طبيعية ومعمارية متخيّلة، قدمتها في القصر الكبير Grand Palais في باريس في فترة ممتدة من أوائل ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 15 مارس/آذار 2026. أعمالها السابقة استوحت من الغابات الأوروبية والأطلال القديمة، لكنها دائما كانت تتجاوز النسخ المباشر للطبيعة، لتطرح سؤالا عن الزمن والذاكرة والهشاشة.

الكهف والغابة والهشاشة

يحيل عنوان المعرض Grottesco إلى الكهف، ذلك الفضاء الرمزي الذي يشكل أحد أقدم مواقع الصورة والذاكرة البشرية. الكهف عند جوسبان ليس مكانا طبيعيا خالصا، ولا معماريا خالصا، بل منطقة وسطى، هجينة، تذوب فيها الحدود بين ما هو عضوي وما هو مصنَّع. الغابة تتحول إلى جدار، والجدار يبدو كأنه نبتة متحجرة. هذا الالتباس هو جوهر التجربة، لكنه أيضا مصدر تساؤلها.
الضخامة الأولى للعمل تثير الدهشة، لكنها سرعان ما تتلاشى أمام حقيقة المادة: كرتون مضغوط، ضعيف وقابل للتمزق. هنا يكمن التناقض الأساسي الذي يميز تجربة جوسبان: القدرة على تحويل ما هو عادي وهش إلى فضاء يختلط فيه الطبيعي بالمصنوع، والخيال بالذاكرة، والاستقرار بالزوال. الكهوف التي نصادفها في العمل ليست مجرد تماثيل، بل تجارب حسية ومكانية، تدفع المتلقي للتأمل في الحدود، بين ما نراه وما نشعر به، بين حجم العمل ووزنه الرمزي، وبين هشاشته وصموده البصري.
اختيار الكرتون ليس تفصيلا تقنيا، بل موقف فكري واضح. جوسبان تقوّض الفكرة الكلاسيكية للنحت بوصفه فن «الدوام» والمواد النبيلة. لا رخام ولا برونز، بل مادة هشة، قابلة للتلف، تُجبرنا على إعادة التفكير في علاقتنا بالقيمة، وبما نعتبره جديرا بالبقاء. هنا، لا تعد الضخامة دليلا على الصلابة، بل تصبح مفارقة: كل هذا الثقل البصري قائم على هشاشة فعلية.
المتلقي لا يشاهد العمل من الخارج فقط، بل يختبره جسديا: ممرات، تجاويف، ظلال كثيفة. ثمة إحساس بالتوهان، وكأن العمل يدفعك إلى فقدان الإحساس بالمقياس والزمن. غير أن هذا الانغماس البصري يطرح سؤالا نقديا مشروعا: هل يعتمد العمل أكثر مما ينبغي على الإبهار الحجمي؟ وهل تتحول التجربة أحيانا إلى فرجة مهيبة على حساب توتر فكري أعمق؟

الفن كمرآة للواقع والهشاشة

هذا الربط يصل مباشرة إلى ما نعيشه في مدن مثل بيروت، فيمكن قراءة Grottesco كتجربة فلسفية تتحدى توقعاتنا عن المادة والقيمة. الكرتون، رغم هشاشته، يصنع سردا بصريا ضخما، ويطرح تساؤلا عن إمكانية تحويل ما هو مؤقت إلى شيء يحاكي الدوام. مثل بيروت نفسها، حيث يبني الفن من موارد محدودة، لكنه ينجح في خلق أثر يظل حاضراً في الذاكرة الجمعية، حتى لو كان هشا، حيث الهشاشة ليست خيارا، بل واقع، والفن يصبح وسيلة لمقاومة الزوال، للحفاظ على معنى ما في مواجهة اختفاء الأشياء الجميلة أو المهمة.
تكمن قوة Grottesco في قدرته على جعل المادة خطابا. الكرتون هنا لا يقلّد الحجر، بل يفضحه. يذكّرنا بأن ما نراه من «عمارة» ليس سوى بناء مؤقت، مثل كثير من البنى التي شيدها الإنسان معتقدا أنها خالدة. لكن في المقابل، يلوح خطر التكرار: فاللغة الشكلية التي طورتها جوسبان في أعمالها السابقة حاضرة بقوة، إلى حد قد يجعلها توقيعا مألوفا أكثر من كونها مغامرة جديدة.
ومع ذلك، ينجح هذا العمل في طرح سؤال معاصر بذكاء بصري: ماذا لو كانت الهشاشة هي الحقيقة الوحيدة الثابتة؟ ماذا لو كانت العمارة، مثل الذاكرة، قابلة للانهيار في أي لحظة؟ في هذا المعنى، لا يبدو الكرتون مادة فقيرة، بل شاهدا صادقا على زمن يعيش وهم الصلابة، بينما يتآكل من الداخل. إن الأعمال الكبيرة ليست دائما تلك التي تصمد مادتها، بل تلك التي تصمد في السؤال الذي تتركه فينا. هشاشة الكرتون لم تقلّل من ثقل التجربة، بل على العكس، جعلت كل خطوة وكل ظل وكل فراغ يبدو مشحونا بالمعنى. العمل يذكّرنا بأن الجمال لا يكمن في الدوام وحده، بل في القدرة على إثارة التفكير، واستدعاء الذاكرة، ومواجهة الزوال بشجاعة.
ومثلما تحمل بيروت هشاشتها في صميم الحياة اليومية، تتحمل هذه المادة البسيطة ضخامة المعنى داخل فضاء المعرض. كلاهما، المدينة والفن، يطرحان السؤال نفسه: كيف نحافظ على القيمة والجمال وسط عدم الاستقرار؟ وكيف يمكن للهشاشة أن تتحوّل إلى وسيلة للاحتفاظ بالذاكرة والخيال؟
هنا، أمام كهوف وغابات جوسبان، أدركت أن الفن ليس دائما ملاذا من الواقع، بل مرآة له، ومقاومة فيه، وتجربة للوجود نفسه. وهكذا يغادر الزائر المعرض ليس فقط برؤية، بل بسؤال يرافقه خارج القاعة، وربما خارج المدينة، عن هشاشة الأشياء، وعن ما يجعلها تستحق أن تظل حية في الذهن والوجدان.

فنانة تشكيلية وكاتبة لبنانية

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram