"بونجور" يا سان جيرمان.. "بونوي" أيتها الصحف

 

Telegram

منذ أيام، كرّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون آخر بائع صحف في شوارع باريس.. حينما وصلت في القراءة إلى جملة "آخر بائع صحف" شعرت بوعكةٍ خفيفة وحمّى عابرة. ها هو العالم الجديد يزيح مفرداتنا ومكتسباتنا بخفّةٍ وأناقة باريسية..

إنها قصةٌ في غاية الدراما بالنسبة لكاتبٍ وصحفيٍ كلاسيكيٍ مثلي؛ ما زال صوت المطابع توقظه في ليله، ورائحة الحبر تطغى على كل ما مرّ من ورودٍ في حياته، وحكاية لا بد أن تروى لمسيرة مئات السنين للصحافة الفرنسية المرعبة إذ لخّصت خطوات بائع الصحف هذا "الميل الأخير" من المقاصل والمشانق وصرخات الحرية.

"علي أكبر" جاب شوارع باريس يبيع الصحف لاكثر من خمس عقود.. كان معه 40 زميلا لكنه اصبح وحيدا .. وكان دخله لا يتجاوز 60 يورو في اليوم

أنظر التصاعد الدرامي! تقول الحكاية: لأكثر من خمسة عقود، جاب "علي أكبر" شوارع باريس، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيجها الثقافي، حيث يتبادل أطراف الحديث مع الناس، ويحيّي أصدقاءه القدامى، ويُقدم عبارات ساخرة عن عناوين الأخبار اليومية. علي يشتري صحفاً لديها قراؤها مثل "لوموند" من أكشاك بيع الصحف، ثم يعيد بيعها بزيارة المقاهي المتفرقة في كل شوارع باريس مشياً على الأقدام. عندما بدأ العمل، كان لدى عليّ حوالي 40 زميلاً، ولكن مع انخفاض الطلب على الصحف المطبوعة، تُرك وحيداً!

في هذه الجولة الطويلة والمرهقة يربح علي مبلغاً لا يتجاوز الـ 60 يورو يومياً. لكنه يفضّل أن يكون صاحب عمله الخاص، لا أن يعمل تحت إمرة أحد.

أنظر التصاعد الدرامي، مرةً أخرى، كلمة Journalism (الصحافة) وكل اشتقاقاتها، مثل Journalist، (صحفي) وJournal  (صحيفة) يأتي جذرها من Jour الفرنسية، والتي تعني "الصباح"، إلى جانب أنها بشكل أو بآخر تعني: الزمن، ومنها كلمة Journey الرحلة، والتي تقول في جذرها اللغوي إنها رحلة اليوم الواحد. من هنا بدأ الناس بتداول مصطلح Journalist عام 1693 لوصف أولئك المعنيين بنشر الأنشطة والأخبار اليومية في الصحف، ولأن الزمن متحرك كما هو معلوم.

لقد تأخرت الصحافة الفرنسية عن الصحافة الإنجليزية فترة لا بأس بها من الزمن، لكن سرعان ما أعاد الفرنسيون تأطير مفاهيم الكتابة والحرية التي ناضلوا لأجلها أكثر من قرنين حتى نالوها.

إن مسيرة "علي أكبر" اليوم في خطواته الأخيرة في شوارع باريس هي نهاية قرابة أربع قرون من النضال الفرنسي نحو الحرية والتعبير وكتابة ما يجول بخاطرهم وتوزيعه على مقاهي باريس التي صنعت الأدباء والكتاب وغيرت الأحداث والمشهد الحضري بالكامل.

بعد عصر محاكم التفتيش التي أحرقت فيها الكتب وأعدم الكتّاب، عادت أوروبا للخوف من الحريات مرةً أخرى، ففي عام 1563، أصدر تشارلز التاسع ملك فرنسا مرسوماً بعدم إمكانية طباعة أي شيء دون إذن خاص من الملك. وسرعان ما تبعه حكام علمانيون آخرون في أوروبا. وبالتالي، استخدم الحكام الأوروبيون أنظمة الترخيص الحكومية للطباعة والنشر للسيطرة على التعبيرات العلمية والفنية التي يرون أنها تهدد النظام الأخلاقي والسياسي للمجتمع.

في عام 1631 أسس الطبيب الفرنسي ثيوفرست رينودو Théophraste Renaudot جريدةً كانت هي الدورية المطبوعة الوحيدة المخولة قانوناً بنشر المعلومات السياسية وهي صحيفة La Gazette، وقد دعمتها السلطات للحد من المنافسة السرية والمخالفة لقوانينهم، وبحسب "غاي باتين"، خصم رينو اللاذع، وصف سبب ظهور "لاجازيت" بأنها تودّ لو تم شنق كل صانعي الصحف الأخرى الموزعة باليد. وكان قبل ذلك قد صدر مرسوم عام 1620 بمنع بيع الجرائد اليدوية تحت وطأة الجلد والنفي. وبالفعل؛ تم وضع عدد كبير من ناشري الدوريات في الباستيل. فقد حكم على "مارسيلين دو لاج" عام 1661 بالجلد والنفي من باريس لمدة خمس سنوات. وكذلك "إيلي بلانشارد"، الذي جُلد في منتصف جسر بونت نوف عام 1663؛ لاحقاً تم نفي "بوردن" و"دوبوا" في البحر عام 1683 لنشرهما الجرائد.

أكبر يبلغ من العمر 73 عاما ومن أصول باكستانية .. نال أحد أرفع الأوسمة الفرنسية ووصفه ماكرون بـأنه "أكثر الفرنسيين أصالة" و "صوتُ الصحافة الفرنسية"

لعبت الصحف دوراً كبيراً في الدفاع عن حقوق الطبقات الثورية الدنيا قبل الثورة الفرنسية، وكانت ذات تأثير كبير في صناعة الرأي العام وتحشيده ضد الملكية. وعلى الرغم من الصرامة والرقابة الشديدة، إلا أنه طبعت المنشورات تحت الأرض في طابعات متحركة وقد أحصي 300 مطبوع في فرنسا قبيل الثورة، ثم ظهرت أكثر من 1300 صحيفة جديدة بين عامي 1789 و1799، وعلى الرغم من أن نابليون أعاد العمل بقوانين الرقابة الصارمة عام 1800، ولكن ما لبثت الصحافة أن ازدهرت بعد فترة حكمه وعادت لتلعب دوراً مهماً في الثقافة السياسية. ثم عمّت الصحافة أوروبا وشكلت جزءاً أساسياً من ثورات 1848، التي انتصرت للشعوب آخر الأمر.

أنظر الذروة الدرامية مرةً أخيرة: نال علي أكبر، البالغ من العمر 73 عامًا والمنحدر من أصل باكستاني، أحد أرفع الأوسمة الفرنسية. في حفل أقيم في قصر الإليزيه، وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "أكبر" بأنه "أكثر الفرنسيين أصالةً"، ومنحه لقب فارس من وسام الاستحقاق الوطني تقديراً لخدماته الجليلة لفرنسا. قال ماكرون: "أنتَ صوتُ الدائرة السادسة، صوتُ الصحافة الفرنسية صباحَ الأحد، بل وفي كل يومٍ من أيام الأسبوع. صوتٌ دافئٌ يتردد صداه، منذ أكثر من خمسين عاماً، في أرجاء سان جيرمان، ويشق طريقه بين طاولات المطاعم".

علي يبيع الصحف منذ عام 1971، وبمساعدة طالب أرجنتيني، انضم أكبر إلى صفوف بائعي الصحف. لاقت ابتسامته الدائمة، وخفة ظله، واستعداده للمشي لمسافات طويلة يوميًا استحساناً كبيراً، مما مكّنه من كسب عيش كريم. من "زبائنه" ميتران وماكرون نفسه ورئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب. رغم أن علي أكبر حينها كان ينام في العراء تحت الجسور وفي غرفٍ رثة، لأنه يرسل ماله لـ 9 "أنفار" في باكستان. ومع مرور العقود، أصبح الوجه الأكثر ألفةً في مطاعم وحانات الضفة اليسرى من نهر السين. تقول المحامية ماري لور كاريير: "علي مؤسسةٌ بحدّ ذاته. لولا وجوده، لما كانت سان جيرمان دي بري هي سان جيرمان دي بري".

دون دراما ولا ذروات؛ يقول علي أكبر: كنت أبيع 200 صحيفة يومياً، أما اليوم فأبيع حوالي 20 نسخة من صحيفة لوموند في ثماني ساعات وبالحيلة والنكتة و"المونة".. ترقمن كل شيء، الناس لم يعودوا يشترون الصحف".

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram