الوجود الفلسطيني في لبنان بين الاحتواء والتفكيك

الوجود الفلسطيني في لبنان بين الاحتواء والتفكيك

 

Telegram

لم يكن الوجود الفلسطيني في لبنان مجرّد حالة لجوء عابرة أو أزمة إنسانية طارئة، بل شكّل منذ نكبة العام 1948 بُعداً سياسياً حيّاً في صميم الصراع العربي – الصهيوني، وساحة مفتوحة للتفاعل بين ما هو وطني وما هو إقليمي ودولي. غير أن هذا الوجود يبدو اليوم أمام مرحلة جديدة، تتنازعها مشاريع الاحتواء والتفكيك، وتحاصرها أزمات أمنية واقتصادية متصاعدة، في ظل عجز الفصائل الفلسطينية وتراجع قدرتها على مقاربة الواقع بتوازن وواقعية، مقابل ضغوط دولية متزايدة تهدف إلى نزع البعد السياسي عن قضية اللاجئين وتحويلها إلى مجرد ملف أمني وإنساني.

 

لا يتجسّد الخطر الحقيقي الذي يتهدّد المخيمات الفلسطينية في لبنان في الاشتباكات المحدودة أو الاضطرابات الأمنية بقدر ما يكمن في التحوّل البطيء من قضية سياسية إلى «ملف إداري–إنساني» تتم إدارته تحت سقف المساعدات والضبط الأمني. هذا التحوّل لا يتم بقرارٍ معلن، بل بخطوات متراكمة: عبر تضييق معيشي ممنهج، وربط أي تقديمات بمستويات الاستقرار، وتصاعد في الخطاب الذي يصوّر الفلسطيني بوصفه عبئاً أمنياً أو تهديداً لبنية الدولة. بهذا، يُعاد تعريف المخيم من رمز للجوء وحق العودة إلى منطقة يجب السيطرة عليها، بما يخدم مساراً دولياً مضمَراً، لكنه لم يعد خافياً، لإغلاق ملف اللاجئين سياسياً.

 

المسار الأكثر ترجيحاً اليوم هو ما يمكن تسميته الاحتواء الأمني بالتفريغ السياسي. تُترك المخيمات قائمة شكلياً، لكن يجري تجفيف مضمونها السياسي والاجتماعي تدريجياً، ويتمّ تقييد قدرة الفصائل على الفعل الوطني. تبدو هذه المقاربة، في ظاهرها، هادئة؛ لكنها تسعى إلى دفع المخيمات نحو العزلة، عبر الإنهاك المعيشي وتشديد الرقابة الأمنية، إذ يصبح اللاجئ الفلسطيني متلقّياً لتوصيات الوسطاء الدوليين بدل أن يكون فاعلاً في تقرير مصيره.

 

هذا النموذج هو أشبه بعملية بطيئة لإعادة هندسة الوجود الفلسطيني دون تفجيرٍ مباشر أو ترحيلٍ صريح، من خلال دمج اجتماعي مشروط، وغياب كامل لأي أفق سياسي. وهذا – في جوهره – صيغة حديثة لإلغاء القضية، من خلال تجريد الفلسطيني من رمزيته النضالية وإحالته إلى مجرد ملف إغاثي.

 

لا يمكن إغفال أن بعض الاشتباكات أو التوترات التي تشهدها المخيمات تأتي في سياق ما يُسمّى «الفوضى المضبوطة»؛ وهي الحالة التي تُستخدم فيها الممارسات الفردية لتبرير فرض المزيد من الإجراءات الأمنية والتدخلات السياسية في الشأن الفلسطيني. يجري تصوير بعض الإشكالات الفردية العادية، التي يحصل منها الكثير خارج المخيمات، وكأنها جزء من الهوية الفلسطينية ونتيجة طبيعية لضعف الفصائل أو انقسامها، ليجري استثمارها فعلياً لتكريس الاستجابة للمطالب الدولية وتقويض أي إمكانية لبناء موقف فلسطيني موحد. بهذا المعنى، تتحوّل الفوضى أداة تُدار خارجياً لتوليد جوٍّ دائم من القلق، بما يمنع الاستقرار والنقاش السياسي الحرّ.

 

تتصاعد الضغوط على الحكومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية في آنٍ واحد. فالمطلوب دولياً هو ضبط المخيمات أمنياً وتحييدها سياسياً، بينما المطلوب شعبياً هو الحفاظ على كرامة اللاجئ وحقه في الحياة الكريمة والعودة

 

في قلب هذا المشروع، يجري استهداف وكالة «الأونروا» بوصفها أكثر من مجرد مؤسسة إغاثية. فهي الاعتراف الدولي الأخير بأن اللاجئ الفلسطيني ليس قضية إنسانية فحسب، بل أيضاً كيان سياسي مرتبط بحق العودة وقرارات الأمم المتحدة. لذا، إنّ محاولات تقليص تمويل «الأونروا» أو تفكيكها لا تنفصل عن الرغبة في طمس الرمزية السياسية للمخيمات وتجريدها من أي بعد قانوني دولي.

 

إضعاف «الأونروا» يعني إلغاء الشاهد المؤسسي على استمرار النكبة، ودفع المخيم الفلسطيني إلى الفراغ بين شيئين: الدولة اللبنانية التي لا تستطيع تحمّل عبء اللجوء، والمنظومة الدولية التي تغسل يديها من التزاماتها التاريخية. والنتيجة هي خلق واقع جديد يجعل اللاجئ الفلسطيني مواطناً ناقص الحقوق، بلا وطن، وبلا مؤسسة تمثّله.

 

في ظل هذا الواقع، تتصاعد الضغوط على الحكومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية في آنٍ واحد. فالمطلوب دولياً هو ضبط المخيمات أمنياً وتحييدها سياسياً، بينما المطلوب شعبياً هو الحفاظ على كرامة اللاجئ وحقه في الحياة الكريمة والعودة. يولّد هذا التناقض اختناقاً مزدوجاً، حيث تُدفع الأطراف المحلية إلى التوتر والصدام، بينما المستفيد الحقيقي هو الخارج الذي يريد بيئة منضبطة، بلا هوية سياسية.

تترافق هذه الضغوط مع خطاب تحريضي يُغذّي التباعد بين المخيمات والبيئة اللبنانية، وكأنّ المطلوب هو صدامٌ غير مباشر يخدم فكرة «الانفجار المبرمج» لفرض تدخلات دولية لاحقة تحت عنوان إدارة الأزمة.

 

أمام هذا المشهد المعقّد، لا يملك الطرفان –الفلسطيني واللبناني– ترف الانتظار أو الاستسلام لمنطق الإملاءات. فالمطلوب اليوم نقاش عقلاني وهادئ، يؤسس لحوار حقيقي يحمي الحقوق اللبنانية والفلسطينية، على قاعدة التكامل، ويحصّن المخيمات وجوارها اللبناني من الإملاءات والشروط الإقليمية والدولية.

 

الهدف الحقيقي للحوار هو الوصول إلى رؤية فلسطينية – لبنانية مشتركة تجمع بين تأكيد حق اللاجئ الفلسطيني في العودة ورفض أي صيغة توطين مقنّع، واحترام سيادة الدولة اللبنانية وخصوصيتها الأمنية، وتعزيز التنسيق المؤسسي بين الدولة والفصائل لضمان الأمن الإنساني والاجتماعي داخل المخيمات، وإقرار الحقوق الاجتماعية والإنسانية والسياسية للفلسطينيين.

 

بهذه المعادلة يمكن ردّ المشروع الخارجي الهادف إلى نزع المعنى السياسي من المخيمات وإفقادها روحها الوطنية، وفرض التوطين المباشر والمقنّع. فالمخيمات الفلسطينية في لبنان ليست مجرد قضية أمن أو معونات، بل هي هوية وذاكرة وحق تاريخي لا يُختزل في بطاقة تموين أو تصريح إقامة.

 

إنّ حماية الوجود الفلسطيني في لبنان، وحماية لبنان من خطر التوطين وتكبّد أعبائه، لا تتمان بالشعارات ولا بالعزلة، ولا بالقرارات والهندسات الأمنية، ولا بالاستجابة للمطالب الغربية، بل بوعي الخطر ومراكمة الثقة بين الشعبين، كي يبقى المخيم شاهداً على النكبة لا شاهداً على نهايتها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram