كتب غسان الشامي:
يخبرنا التاريخ أن جيفري أبستين ليس ظاهرة مفردة ، فلكل امبراطورية أو حكم "أبستينه" الخاص، وأن الدعارة والعهر والقوادة الجزء الأساس من السلطة والاستخبارات في هذا العالم.
صحيح أن الحروب جميعها كانت موسومة بالسبايا والاغتصاب .وإذا حاولنا ملاحقة مأسسة الدعارة وتوظيف البغايا والعواهر (وهي أقدم مهنة في التاريخ)، نجد أنها بدأت في أثينا في القرن السادس ق.م ،حين قام المشرّع سولون بإنشاء "بيوت دعارة " تملكها الدولة ، وتعود عائداتها إلى الخزينة بحجة "حماية العائلات الشريفة"عبر توفير متنفس جنسي للشباب.
ورثت الإمبراطورية الرومانية هذا التوجه ، وأخضعته لنظام ضريبي صارم ، بحيث يتم تسجيل عمليات البغاء ودفع ضريبة معتبرة، ما يعني أن جزءاً من ميزانية الأباطرة يعتمد على تنظيم الدعارة.
في أقصى (اليابان) وخلال فترة إيدو - نظام يوشيوارا، بين عام 1603 وعام 1868 م،أقامت الحكومة مناطق "متعة" مرخصة ،أشهرها يوشيوارا في طوكيو، بهدف جني المال والسيطرة السياسية، حيث تحولت هذه المناطق إلى مراكز معلومات واستخبارات يراقب فيها الساموراي والتجار والأثرياء.
من جهتها اعتبرت جمهورية البندقية أن توفير الخدمات الجنسية ينعش الاقتصاد عبر جذب التجار الأجانب الذين ينفقون بسخاء، لذلك شرّعت وشجعت وجود ما أسمته "الغانيات المثقفات" .
حتى لا نضع "الحق على الطليان" دائماً، علينا المرور ببلاد العرب، فقد كان لذوات الرايات أو القباب الحمر دور في الجاهلية ومطلع الإسلام، وهنّ نساء للمتعة يخترن والد من يحملن منه، ومن أولادهن عمرو بن العاص ، وكثيرون.
في العصر الأموي كان الابتزاز بالسمعة والتشهير، وجلب السبايا بالآلاف من بلدان المغرب والمشرق خلال الفتوحات .
يقول القيرواني إن موسى بن نصير اختطف ثمانين ألف امرأة أمازيغية وجاء بهن إلى دمشق.
في العصر العباسي استخدمت الجواري كجهاز استخبارات
وبات "سوق الجواري" مركز نفوذ. وكان الرشيد والهادي يهدون الجواري إلى القادة والوزراء وكنّ بدورهن ينقلن ما يسمعن.عدا عن الغلمان الذين وصل بعضهم إلى التحكم بقرارات الخلفاء.
إن قصة الجارية الرومية "شغب" والدة الخليفة المقتدر بالله ، والتي عرفت بالسيدة شغب تستحق الذكر ، فهي لم تكن أم خليفة فقط، بل أدارت "دولة ضمن الدولة" بالاعتماد على شبكة نسائية استخباراتية
وكانت الحاكم الفعلي لأن ابنها المقتدر تولى الخلافة وهو في سن الـ 13.
في العصر العثماني وصل استخدام الجنس كأداة سياسية إلى ذروته فيما عُرف بـ "سلطنة الحريم"و كانت "السلطانة الأم" أو "الخاصكي" (الزوجة المفضلة) تتحكم بتعيين الصدر الأعظم عبر الجواري اللواتي يُهدين للباشوات، فيما كان
الخصيان وسيلة ابتزاز لأنهم يملكون أسرار السلطة .
ولعل أبرز الأدلة على دورهم فضيحة "كوزم سلطان" التي أدارت شبكة من المصاهرات والجواري للسيطرة على الوزراء، ومن يخرج عن الطاعة تفتح ملفاته أو يتم التخلص منه.
في العودة إلى الغرب ، فقد هزّت فضيحة "برج نيسل" في فرنسا (1314م) أسرة كابيه
المالكة الفرنسية بعد تورط كنّات الملك "فيليب الرابع" الثلاث بعلاقات مع فرسان في برج "نيسل"وأن شبكة من الخدم والنبلاء كانوا يسهلون هذه الخلوات ويستخدمونها كأداة ضغط وابتزاز ، وانتهت بإعدامات وحبس الأميرات، وأدت إلى "حرب المئة عام" وتغيير مجرى التاريخ.
وفي فرنسا أيضاً كان للملك لويس الخامس عشر عشيقات مثل مدام دي بومبادور ومدام دو باري أنشأ لهنُ مكاناً سرياً باسم (منتزه الأيائل)، فيما عرف بنظام "التجسس في غرف النوم"وكان يجلب إلى المنتزه فتيات صغيرات للملك.
تتشابه هذه الشبكة مع أبستين: فقد أدارها قوادون محترفون ومسؤولون في الدولة، وكان يتم يتم لاحقاً تزويج الفتيات من موظفين أو نبلاء يصبحن "عيوناً" للملك في أجهزة الدولة.
أما في روسيا القيصرية فقد أدار
الراهب غريغوري راسبوتين منظومة مشابهة ومشبوهة حين استغل علاقته بالإمبراطورة "ألكساندرا" ليوطد سطوته ونفوذه، فكان يقيم حفلات صاخبة في منزله لزوجات النبلاء والسياسيين، ساعدته على التحكم في تعيين الوزراء وعزلهم، وساهمت فضائح شبكته بسقوط حكم القياصرة.
في العودة إلى ما يشبه فضيحة أبستين في عالمنا المعاصر وكشف تقاطع الجنس، والسياسة والاستخبارات والابتزاز ، فقد ضجت بلجيكا خلال التسعينات بفضيحة "دوتراو" أو (قضية مارك دوتراو )التي أحدثت صدمة تشبه صدمة أبستين ، وذلك بعد القبض على دوتراو بتهمة اختطاف واغتصاب فتيات صغيرات، وأن الشرطة والقضاء تغاضوا لسنوات، فخرجت مظاهرات شارك فيها 300 ألف شخص، واتهمت النخبة السياسية بحماية شبكة دولية لاستغلال الأطفال وخدمة مسؤولين كبار في الدولة.
الفضيحة الثانية في بريطانيا عام 1963 وسميت "بروفومو" على اسم وزير الدفاع "جون بروفومو" الذي أقام علاقة مع عارضة أزياء تدعى "كريستين كيلر" التي كانت تقيم علاقة في الوقت عينه مع الملحق العسكري السوفيتي،وكادت الفضيحة تسقط الحكومة .
وفي عام 2012 شهدت بريطانيا أيضاً ما عرف بفضيحة "جيمي سافيل" التي تشبه أيضاً فضيحة أبستين، فقد كان سافيل صديقاً مقرباً من العائلة المالكة ورؤساء الوزراء. واستخدم نفوذه وأمواله وتبرعاته للوصول إلى ضحاياه وكم الأفواه.
وتبين بعد وفاته أنه كان "مستغلاً متسلسلاً" على مدى 50 عاماً تحت حماية وصمت المؤسسات الكبرى، بحيث
استطاع شخص واحد استغلال مؤسسات الدولة مثل BBC والنظام الصحي طيلة نصف قرن.
في ثمانينات القرن الماضي ظهرت في نبراسكا في الولايات المتحدة "قضية فرانكلين" التي تشبه فضية أبستين فيما يتعلق بعهر النخبة حين جرى فضح شبكة من سياسيين ورجال أعمال يستغلون الأطفال ويستخدمون الحفلات لابتزاز المسؤولين . وقد أسدل الستار على القضية من قبل جهات إنفاذ القانون ، ويعتبرها البعض مقدمة لما حصل مع أبستين.
تشير هذه القضايا المستقاة من التاريخ ، إلى أن هؤلاء المجرمين يتمتعون بحماية الطبقات السياسية الحاكمة والاجتماعية الثرية وأجهزة التجسس والاستخبارات ، وأنهم تمتعوا بالحصانة فيما نكب المستغَلون ، وأن الابتزاز كان يمر عبر الجنس والفضائح ، فكم تغير مجرى التاريخ جراء هذه القذارات ؟!.كما يتبين فشل المؤسسات الدولتية والقضائية في إيجاد سقف لحماية البشر .
ولسخرية التاريخ فإن العناصر الجرمية تتكرر منذ آلاف السنين
ففي كل هذه القصص، نجد عناصر متكررة، حيث تجري هذه الموبقات في القصور والأبراج والجزر والمنازل الفخمة ، وأن الضحايا هم من الأطفال والفتيات والناس الضعفاء.وأن الهدف الرئيس من هذا الاستغلال القذر ليس المال وحده بل التحكم والسيطرة على قرارات دول وحكومات عبر الاستحواذ على أسرارها ما يجعل القادة والساسة مجرد مهرجين ودمى.
هل من شك بعد بأن ابستين كان أداة ولاعباً وألعوبة بيد الموساد والنخب المريضة جنسياً وأن التافه القصير إيهود باراك مجرد زبون مهووس ومجنون عنده؟!
إنه عالم يقوده القوادون والمرضى النفسيون.
*الربوة - جبل لبنان ٤/شباط ٢٠٢٦ .
بتوقيت القَرَفْ حتى الإقياء.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :