الديمقراطية ذات المضمون [2/2]: عودة السياسات الاشتراكية

الديمقراطية ذات المضمون [2/2]: عودة السياسات الاشتراكية

 

Telegram

الحقوق الاجتماعية عند أودونيل

قسّم الباحث الكبير غيللرمو أودونيل حقوق المواطنة إلى ثلاثة: الحقوق المدنية والحقوق السياسية والحقوق الاجتماعية (أودونيل، 2004). وهي تعاقبت على هذا النحو في التجربة الغربية. وفي تجربة أميركا اللاتينية تقدّم نيل الحقوق السياسية زمنياً على نيل الحقوق المدنية (أودونيل: 46). وجاءت الحقوق الاجتماعية في تجربة شرقي آسيا قبل المدنية والسياسية منها. وقصد الباحث بذلك إعطاء الدولة في التجارب التنموية الآسيوية الأولوية للتنمية البشرية فيها خصوصاً التعليم والتدريب (أودونيل: 55).

 

«الاستثمار الاجتماعي» محل «السياسة الاجتماعية»

راج خلال العقود الماضية تعبير «اقتصاد المعرفة» للدلالة على التحوّل الذي طرأ على الاقتصاد العالمي، لجهة اعتماد الأنشطة الاقتصادية بشكل متزايد على المعرفة التكنولوجية. والمقصود هو الأفكار الجديدة التي يقدّمها الباحثون وتتحوّل إلى خدمات مبتكرة وإلى أدوات صناعية جديدة. وقد أصبح ممكناً ربط النمو الاقتصادي بهذه الابتكارات بدرجة أكبر بكثير من السابق. وأصبح اكتساب هذه المعرفة بواسطة التعليم والتأهيل أكثر حراجة بالنسبة إلى كل المتنافسين في الأسواق الدولية. ووجد ذلك ترجمته في تطوير المناهج والبرامج التعليمية إذ يتاح للمتعلّمين تكوين مهارات تؤهّلهم لتحقيق ابتكارات. واعتمد الاتحاد الأوروبي في مؤتمر لشبونة لعام 2000 هذه المقاربة رسمياً واضعاً إيّاها تحت عنوان «الاستثمار الاجتماعي» بدلاً من «السياسة الاجتماعية» (إيفانز وآخرون، 2017: 14).

 

وكانت الدول الاسكندنافية هي السبّاقة إلى إيلاء التعليم والتأهيل الأولوية في سياساتها. وباتت خلال العقود النيو-ليبرالية الأكثر قدرة على خلق «وظائف ذات كثافة عالية في المعرفة» (knowledge intensive employment)، والأفضل كـ«دول تعتمد سياسات استثمار اجتماعي» (social investment states) (إيفانز وآخرون: 16).

 

التعليم والصحة والمعاشات التقاعدية

وعلى مدى عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، بقيت دولتان، هما كوريا الجنوبية وتايوان، منارتين كدولتين تنمويتين ناجحتين. ثم تحولتا، بدءاً من الثمانينيات، إلى منارتين كدولتي رفاه (welfare states). وقد جاء هذا التطوّر فيهما بفعل الدمقرطة التي بدأت منذ ذلك التاريخ وجعلت توفير تقديمات اجتماعية عنصراً مهماً في البرامج التي يعدها المتبارون لخوض الانتخابات (هوبير ونيادزويسكي، 2014: 800-801). وكانت الدولتان تستندان إلى نجاح اقتصادي باهر ولا تشكوان من نقص في الموارد وفي القدرة على التمويل.

 

واشتمل برنامج الرئيس الكوري الجنوبي المنتخب عام 1987 على تعميم الضمان الصحي لكل القاطنين، وعلى إلزام كل الشركات، بما فيها الصغيرة منها، بالمساهمة في تغطية نفقات نظام المعاشات التقاعدية الذي جرى خلقه. وقدّم حزب الكيومنتانغ في تايوان في ضوء المنافسة الانتخابية الحامية مشروع تعميم للضمان الصحي في آخر الثمانينيات. وأدخلت تايوان عام 2000 نظام معاشات تقاعدية يشترط وجود مداخيل للمستفيدين (هوبير ونيادزويسكي: 804).

 

وشهدت العقود الأخيرة تحسّناً لأنظمة التقديمات الاجتماعية في عدد من دول أميركا اللاتينية. وأتت في الطليعة على هذا الصعيد، البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وتشيلي. وتضاف إليها كوستاريكا. وعام 2010 كان ثمة حكومات يسارية في عشر دول من أميركا اللاتينية، تشتمل على ثلثي سكان القارة. وتميّزت الأوروغواي باعتماد نظامين رائدين للمعاشات التقاعدية التي لا تشترط وجود مداخيل وللتغطية الصحية. واعتمدت تشيلي في هذين المجالين مقاربة مشابهة لما تحقّق في الأوروغواي.

 

وفي البرازيل، جرى تعميم وتطوير التعليم في المرحلة الثانوية على نحو كبير أيام الرئيس كاردوزو. وأطلق خلفه الرئيس لولا دا سيلفا برنامج تقديمات نقدية للأسر الأكثر فقراً استفادت منه 13 مليون عائلة برازيلية، أي 23% من مجموع الأسر (هوبير ونيادزويسكي: 802). وساوى إصلاح النظام التقاعدي بين الوافدين الجدد من القطاعين العام والخاص (هوبير ونيادزويسكي: 803).

 

ولقد تضاعف الإنفاق الاجتماعي بالأرقام الفعلية ثلاث مرّات بين 1988 ـــــ حين صدر الإعلان الدستوري الذي يعرّف البرازيل كدولة رفاه تقوم على عمومية الحقوق ــــــ و2008 (كيرستنتسكي، 2017: 11-12). وتعتبر البرازيل اليوم من البلدان التي ترافق النمو الاقتصادي فيها مع انحسار التفاوت في الدخل. ويعود الفضل في ذلك إلى عاملين أقل شهرة من برنامج التقديمات النقدية المشار إليه أعلاه، لكنهما أكثر فعالية. والأول بينهما يتناول إعادة الاعتبار للحد الأدنى للأجور من قبل الحكومات المتعاقبة واعتماده مقياساً لكلفة المعيشة تصحّح في ضوئه كل التقديمات الاجتماعية. أمّا الثاني، فهو ارتفاع حصة التوظيف في القطاع الرسمي (كيرستنتسكي: 13).

 

ويرى الباحثون أن هذه التحولات لا يمكن أن تكتسب طابعاً مستداماً ما لم يُصَر إلى اعتماد سياستي ضرائب تصاعدية و«استثمار اجتماعي» جديَّتين. ولا تزال البرازيل إلى اليوم جنّة ضريبية لأصحاب الثروات. وتُظهر الاستقصاءات الدولية ضعف مستوى التأهيل فيها، في مختلف الفئات (كيرستنتسكي: 21-23).

 

وقد أسهم الباحثان هوبير وستيفانز في النقاش القائم حول توفير معاشات تقاعدية لعموم المواطنين في البلدان النامية. وأوضحا أن المشكلة ليست مشكلة تمويل في كل البلدان المتوسطة الدخل. فهذه الاقتصادات تستطيع توفير ما يكفي من الموارد لتمويل هذه المعاشات، خصوصاً إذا جرى اعتماد أنظمة ضرائب على الدخل تصاعدية. واقترحا اعتماد معاشات تقاعدية أساسية (basic) مموّلة بالضرائب، محدّدة سلفاً (flat rate) ولا تشترط وجود مداخيل (non contributory) تؤمّن للمستفيدين حياة لائقة بالحد الأدنى (subsistence). وهو حق للمواطن وليس صدقة تُوفّر له (هوبير وستيفانز: 31). وهو نقاش حسمته السويد والدول الاسكندنافية الأخرى على هذا النحو قبل نحو مئة عام.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram