مفاتيح الموسيقى: من الكلافيكورد إلى البيانو

مفاتيح الموسيقى: من الكلافيكورد إلى البيانو

 

Telegram

في القلب من مجموعات الآلات الموسيقية، يتخذ البيانو مكانته الرفيعة منذ ظهوره الذي كان ظهوراً متأخراً نوعاً ما، حيث سبقه إلى الظهور عدد من الآلات الموسيقية الأخرى بعائلاتها المختلفة، فالوتر كان أسبق في الظهور، وكذلك آلات القرع والنفخ، وكل تلك الآلات في صورتها البدائية، التي كانت تعتمد على شعر وجلود الحيوانات وأعواد النبات. مع تاريخ الإنسان وتطور وجوده على الأرض، يمتد تاريخ الموسيقى وتطور الآلات الموسيقية، في رحلة بحث الإنسان عن النغم واحتياجه الروحي إلى الموسيقى ما استوجب خلق مصادرها.

 

تنقسم الآلات الموسيقية إلى مجموعات أو عائلات، فهناك الآلات الوترية، والآلات الهوائية الخشبية، وآلات النفخ النحاسية، والآلات الإيقاعية بما فيها نحاسيات الإيقاع. تعرف كل مجموعة من هذه المجموعات بآلاتها الكلاسيكية الثابتة في الأوركسترا، وتنفتح على العديد من الآلات الأخرى في ثقافات وحضارات عديدة، فالوتريات في الأوركسترا، على سبيل المثال، تضم الكمان والفيولا والتشيللو والكونتراباص، والهارب في بعض الأحيان، وقد ينضم إليها العود الباروكي عند عزف موسيقى عصر الباروك، وكذلك الماندولين. لكن يظل الرباب والعود العربي ولوتار المغربي والغيتار الإسباني والسيتار الهندي، من الآلات الوترية أيضاً، وغيرها الكثير من الآلات الأخرى، التي نستطيع أن نجدها في بلدان مختلفة.

 

من أين أتى البيانو؟

 

وهناك ما يعرف باسم الآلات ذات المفاتيح أو الملامس، ويعد البيانو الشكل الأكمل لهذه الآلات، حيث استقر عنده ما كان يجري البحث عنه من خلال آلات أخرى سبقت وجوده. جاء اسم البيانو اختصاراً لكلمة Pianoforte التي تعني قدرة هذه الآلة على إصدار أقوى الأصوات وأشدها Forte، وأخف الأصوات وألطفها Piano. يتكون البيانو كما هو معروف من أوتار ثلاثية في معظمها، بينما يكون أحدها وأغلظها مزدوجا، يصدر النغم عن تلك الأوتار بواسطة مطارق تضربها، تتصل كل مطرقة بمفتاح من المفاتيح، وتكون مفاتيح البيانو سوداء وبيضاء، يحصر كل مفتاحين متواليين مسافة نصف درجة نغمية.

 

ظهر البيانو في بدايات القرن الثامن عشر، وبوجوده تراجع دور الآلات التي شكلت إرهاصاته الأولى، وبات وجودها يكاد يكون مقتصراً على عزف الموسيقى القديمة على النحو الذي كانت تعزف عليه. أقدم تلك الآلات آلة الكلافيكورد، التي ظهرت في أوائل القرن الرابع عشر، وهي آلة ذات مفاتيح تصدر عنها درجات نغمية ناعمة، تقرع أوتارها بواسطة مدقات معدنية تظل متماسكة بالأوتار أثناء اهتزازها على العكس من مطارق البيانو وريشات الهاربسيكورد. أما الهاربسيكورد أو الكلافيسان، فهو آلة ذات مفاتيح تضرب أوتارها المزدوجة بواسطة ريشات، على العكس من البيانو، الذي تدق أوتاره بالمطارق، والكلافيكورد، الذي تقرع أوتاره بالمدقات المعدنية، وقد استطاع الهاربسيكورد أن يفرض حضوره بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، كآلة منفردة أو مع آلات أخرى، ولا يزال موجوداً حتى اليوم، وعليه تعزف الموسيقى القديمة. ويعتبر الأرغن أيضاً من الآلات ذات المفاتيح، لكنها آلة أنبوبية يصدر فيها النغم من أنابيب مختلفة الطول، وكلما طالت الأنبوبة كان الصوت غليظاً، وكلما قصرت كان الصوت أكثر حدة، وتصدر الألوان المتعددة لكل نغمة باستخدام مفاتيح تكون في أدوار ثلاثة عادة، كما تعتمد بعض الأصوات على الدواسات التي يتحكم فيها العازف بقدميه.

 

البيانو وعباقرة الموسيقى

 

هناك العديد من المؤلفات الموسيقية للأرغن والهاربسيكورد، لكن البيانو كان له النصيب الأكبر من الموسيقى الكلاسيكية وإبداع عباقرتها من المؤلفين، حيث كان البيانو رفيقهم الدائم المفضل وأول من يتلقى عظيم إبداعهم، وعلى مفاتيحه كانت تتكون أنغامهم وتكتمل جملهم الموسيقية. في عصور ومذاهب الموسيقى المختلفة كان البيانو حاضراً بصوته الخلاب وقدراته التعبيرية المذهلة، وعليه توافد المؤلف العبقري تلو الآخر، ليكشف لنا المزيد من سحره اللانهائي، وظهرت القوالب الموسيقية المرتبطة بهذه الآلة، سواء منفردة أو بمصاحبة آلات أخرى، كالسوناتا والكونشيرتو والفانتازيا والنوكتيرن وغيرها، كما اجتمع البيانو مع الصوت البشري المنفرد، في بعض تجارب صياغة الأغنية المنفردة لدى عدد من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية، كأغنيات فرانز ليست، على سبيل المثال.

 

تشغل مؤلفات البيانو مساحة شاسعة في خريطة الموسيقى الكلاسيكية، ونستطيع أن نتبعها من موسيقار إلى آخر، لنجد كيف اختلفت هذه الآلة وصدحت بأنغام تحمل روحاً جديدة في كل مرة، فعندما جلس موزارت إلى البيانو منذ طفولته حدثت المعجزة الموسيقية الكبرى، وتعددت مؤلفات هذا العبقري لتلك الآلة، ومن أجمل هذه المؤلفات سوناتا البيانو رقم 11.

عندما نستمع إلى هذا العمل نكون مع بيانو موزارت فحسب، ونستمتع بتلك القطعة الموسيقية التي صاغها على النهج الكلاسيكي في قالب السوناتا، يمتد العمل إلى ما يقرب من 22 دقيقة، ويتكون من ثلاث حركات، متوسطة البطء، راقصة، معتدلة السرعة. يستعرض موزارت فكرتين موسيقيتين كل منهما على حدة، ثم يجمعهما في تفاعل يليه استعراض منفرد من جديد، وتحظى الحركة الثالثة من هذه السوناتا بشهرة كبيرة، وتعرف باسم «المارش التركي»، ويقال إن موزارت استلهمها من موسيقى قديمة خاصة بالعسكر الأتراك.

 

وعندما جلس بيتهوفن إلى البيانو وهو صاحب السيمفونيات الجبارة، استطاع البيانو أن يظهر لنا الجانب الأشد رقة وعذوبة في نفس هذا الموسيقار العبقري ومعاناته العاطفية المؤسية. وعند الحديث عن بيانو بيتهوفن يرد على الفور ذكر مقطوعتي «إلى إليز» وسوناتا «ضوء القمر»، تحظى كل من المقطوعتين بشهرة عارمة، وحضور دائم ومكانة رفيع في عالم الموسيقى حتى اليوم، كما أنهما من الدروس الأساسية في تعلم العزف على البيانو. في هاتين المقطوعتين وبالاعتماد على البيانو فقط، يعبر بيتهوفن عن كم هائل من المشاعر بشكل مكثف في مدة زمنية قصيرة، وتكوين موسيقي قد يبدو بسيطاً في حين أنه ليس كذلك بالمرة، بل هو تجسيد ومظهر آخر من مظاهر عبقرية بيتهوفن. وعندما جلس شوبان إلى البيانو نطق شعراً لا نغماً فحسب، واسم شوبان من الأسماء المرتبطة بالبيانو بشكل هائل، وتشغل مؤلفاته حيزاً كبيراً من ريبرتوار البيانو بشكل عام، ولبيانو شوبان صوته المميز وطابعه المتفرد بوقعه الشاعري.

 

ما أضخم ريبرتوار البيانو في الموسيقى الكلاسيكية وفي الموسيقى عموماً حتى الحديث منها، فهو إلى يومنا هذا لا يزال يحظى باهتمام كل مؤلف موسيقي بارع، يستخلص جمالياته الجديدة من بحر هائل لا ينفد.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram