جزيرة الخطئة: القصة الكاملة لجزيرة جيفري إبستين وأخطر فضائح القرن
تعد قصة جزيرة "ليتل سانت جيمس" (Little Saint James)، المعروفة إعلاميا وشعبيا بـ "جزيرة إبستين" أو "جزيرة البيدوفيليا"، واحدة من أكثر القضايا قتامة وإثارة للجدل في التاريخ الحديث. .
لم تكن مجرد قطعة أرض فاخرة في الكاريبي، بل كانت -وفقا لآلاف الوثائق القضائية وشهادات الضحايا- مركزا دوليا للاتجار بالجنس، واستغلال القاصرات، ومصيدة لنخبة العالم من سياسيين، وملكيين، وعلماء، وفنانين
في هذا التقرير المطول، نستعرض تاريخ الجزيرة، والهيكلية التي أدار بها "إبستين" شبكته، ودور شريكته "غيسلين ماكسويل"، وصولا إلى آخر المستجدات حتى شباط (فبراير) 2026، بما في ذلك وثائق المحكمة الفيدرالية وتأثيرها على المشهد السياسي الحالي
أولا: جغرافيا "الجنة الملعونة".. تاريخ وتكوين الجزيرة
تقع جزيرة "ليتل سانت جيمس" في أرخبيل جزر العذراء الأمريكية (US Virgin Islands) في البحر الكاريبي، وتبلغ مساحتها حوالي 70 إلى 72 فدانا.
1. الشراء والتحول: اشترى الملياردير المالي "جيفري إبستين" هذه الجزيرة في عام 1998 مقابل مبلغ قدر بـ 7.95 مليون دولار، قبل وصوله، كانت الجزيرة بدائية نسبيا، لكن "إبستين" حولها إلى قلعة خاصة فائقة الفخامة والسرية؛ حيث أنفق عشرات الملايين من الدولارات لإنشاء طرق، وبنية تحتية للمياه والكهرباء، ومجمعات سكنية.
. المعالم المثيرة للريبة: أكثر ما أثار الجدل في الجزيرة هو مبنى غريب الشكل صمم ليبدو كمعبد. يتميز هذا المبنى بخطوط زرقاء أفقية وقبة ذهبية، وكانت تعلوه تماثيل ذهبية (قيل إنها لـ"بوسيدون" أو آلهة أخرى) قبل أن تختفي أو تتحطم لاحقا بفعل الأعاصير.
أحاطت بهذا المبنى نظريات مؤامرة عديدة؛ فالبعض زعم أنه مدخل لشبكة أنفاق تحت الأرض، والبعض الآخر قال إنه مكان لممارسة طقوس غريبة، بينما ادعى مهندسون عملوا في المشروع أنه كان مجرد صالة ألعاب رياضية أو غرفة موسيقى.
ومع ذلك، يظل "المعبد" رمزا للغموض الذي لف المكان. إلى جانب المعبد، ضمت الجزيرة قصرا رئيسيا، ومساكن للضيوف، ومسرحا سينمائيا، ومسبحا ضخما، ومهبطا للطائرات المروحية.
3. التوسع (غريت سانت جيمس): لم يكتف "إبستين" بجزيرة واحدة؛ ففي عام 2016، اشترى الجزيرة المجاورة الأكبر حجما "غريت سانت جيمس" (Great Saint James) مقابل حوالي 22 مليون دولار، بهدف منع الغرباء من الاقتراب من مملكته الخاصة وتوسيع نطاق سيطرته.
ثانيا: هيكلية الشبكة.. "طائرة لوليتا" وغيسلين ماكسويل
لم تكن الجزيرة تعمل بمعزل عن العالم، بل كانت المحطة الأخيرة في شبكة لوجستية معقدة.
1. غيسلين ماكسويل.. "المديرة التنفيذية": تعتبر "غيسلين ماكسويل"، ابنة قطب الإعلام البريطاني "روبرت ماكسويل"، الشخصية المحورية في هذه القضية بجانب "إبستين". لم تكن مجرد حبيبة سابقة، بل أثبتت المحاكمات أنها كانت "المديرة" التي تسهل عمليات استدراج الفتيات القاصرات.
كانت "ماكسويل" تستخدم نفوذها الاجتماعي لتقديم "إبستين" للمجتمع المخملي، وكانت تقوم بتجنيد الفتيات تحت ذرائع العمل كمدلكات أو عارضات أزياء، ثم تهيئتهن نفسيا لتقبل الاعتداءات.
2. طائرة "لوليتا إكسبريس": كانت وسيلة النقل الرئيسية إلى الجزيرة هي طائرة "إبستين" الخاصة من طراز "بويينغ 727"، والتي أطلقت عليها الصحافة اسم "لوليتا إكسبريس" (Lolita Express). تظهر سجلات الطيران (Flight Logs) آلاف الرحلات التي نقلت مشاهير العالم، إلى جانب فتيات قاصرات، بين نيويورك، وبالم بيتش، ونيو مكسيكو، وباريس، وجزيرة ليتل سانت جيمس.
3. نظام الابتزاز (Honey Trap): تشير العديد من التقارير والشهادات إلى أن الجزيرة ومنازل "إبستين" الأخرى كانت مجهزة بكاميرات مراقبة سرية في كل زاوية (حتى في غرف النوم والحمامات).
النظرية السائدة -والتي تدعمها بعض الأدلة الظرفية وشهادات الضحايا- هي أن "إبستين" كان يصور ضيوفه من المشاهير في أوضاع مخلة مع قاصرات، ليستخدم هذه المواد لاحقا "كمصيدة عسل" (Honey Trap) لابتزازهم وضمان صمتهم أو ولائهم، وربما كان هذا يفسر علاقاته الوثيقة بأجهزة استخباراتية.
ثالثا: تفجر الفضيحة.. من الاعتقال الأول إلى الموت الغامض
1. البداية المخففة (2008): واجه "إبستين" أولى مشاكله القانونية الكبرى في فلوريدا عام 2005، ولكن بفضل فريق محاماة قوي وصفقة مثيرة للجدل مع المدعي العام آنذاك ("ألكسندر أكوستا")، تمكن "إبستين" في عام 2008 من الإفلات بعقوبة مخففة جدا (سجن لمدة 13 شهرا مع السماح له بالخروج للعمل نهارا)، وسجل كمعتد جنسي. ظن الجميع أن القصة انتهت هنا.
2. تحقيق "ميامي هيرالد" والاعتقال الثاني (2019): عادت القضية للواجهة بفضل تحقيق استقصائي لصحيفة "ميامي هيرالد" بعنوان "انحراف العدالة"، والذي سلط الضوء على معاناة الضحايا وتساهل القضاء. أدى ذلك إلى اعتقال "إبستين" في يوليو 2019 بتهم الاتجار بالجنس الفيدرالية.
3. الموت في الزنزانة: في 10 أغسطس 2019، عثر على "إبستين" ميتا في زنزانته في نيويورك. التقرير الرسمي عزا الوفاة إلى "الانتحار شنقا"، لكن الظروف المحيطة (تعطل الكاميرات، نوم الحراس، تغيير رفيقه في الزنزانة) أذكت نظريات مؤامرة لا تنتهي، تزعم أنه "قتل" لحماية الأسماء الكبيرة المتورطة معه.
رابعا: وثائق 2024.. الزلزال الذي هز النخبة (تحديث)
في مطلع يناير 2024، وبأمر من القاضية "لوريتا بريسكا"، بدأت المحكمة الفيدرالية في نيويورك برفع السرية عن مئات الوثائق المتعلقة بدعوى التشهير التي رفعتها الضحية "فرجينيا جوفري" ضد "غيسلين ماكسويل". هذه الوثائق، المعروفة إعلاميا بـ "قائمة إبستين"، لم تكن قائمة عملاء بالمعنى الحرفي، بل هي محاضر استجواب، ورسائل بريد إلكتروني، وشهادات تضمنت أسماء أكثر من 150 شخصية.
أبرز الأسماء والتفاصيل التي وردت في الوثائق (مع التأكيد على أن ذكر الاسم لا يعني بالضرورة الإدانة بارتكاب جريمة، بل يعني الورود في سياق التحقيقات):
دونالد ترامب (الرئيس الأمريكي الحالي - الولاية الثانية): ورد اسم الرئيس "ترامب"، الذي يشغل حاليا منصب رئيس الولايات المتحدة للمرة الثانية (بعد فوزه في انتخابات 2024)، في الوثائق ولكن في سياق مغاير للاتهامات المباشرة.
الشهادة: سئلت الشاهدة "جوانا سيوبيرج" عما إذا كانت قد قامت بتدليك "ترامب" أو ممارسة الجنس معه، فنفت ذلك تماما.
السياق: ذكرت أنهم في إحدى المرات توقفوا بطائرة "إبستين" في "أتلانتيك سيتي" وتوجهوا إلى كازينو "ترامب".
التحليل الحالي: خلال حملته الانتخابية الأخيرة وحتى بعد توليه الرئاسة مجددا، استخدم فريق "ترامب" هذه الشهادات لنفي أي سوء سلوك جنسي، مؤكدين أن العلاقة كانت اجتماعية قديمة وانقطعت قبل سنوات من انكشاف الجرائم.
الأمير أندرو (دوق يورك): هو الاسم الأكثر تضررا.
شهادة "الدمية": روت "سيوبيرج" حادثة في منزل "إبستين" بنيويورك؛ حيث وضع الأمير يده على صدرها للتصوير بجانب دمية ساخرة تمثله.
العلاقة الجنسية: كررت الوثائق مزاعم "جوفري" بأنها أجبرت على ممارسة الجنس معه في لندن، ونيويورك، والجزيرة عندما كانت قاصرا (17 عاما).
النتيجة: جرد الأمير من ألقابه العسكرية والملكية، ودفع تسوية مالية ضخمة لإنهاء الدعوى المدنية.
بيل كلينتون (الرئيس الأمريكي الأسبق): ورد اسمه عشرات المرات.
شهادة "سيوبيرج": نقلت عن "إبستين" قوله: "كلينتون يحبهن صغيرات السن".
التواجد: أكدت السجلات سفره على طائرة "إبستين"، لكن الوثائق لم تحمل اتهاما مباشرا له بارتكاب أفعال جنسية، ونفى فريقه زيارته للجزيرة.
ستيفن هوكينج (عالم الفيزياء): كشفت الوثائق عن بريد إلكتروني لـ"إبستين" يطلب فيه دحض مزاعم بمشاركة "هوكينج" في "حفل جنسي جماعي" مع قاصرات أثناء زيارته للجزيرة عام 2006.
أسماء أخرى: تضمنت القوائم شخصيات مثل: "مايكل جاكسون" (الذي لم يتهم بأي سلوك غير لائق في الشهادات)، "ديفيد كوبرفيلد"، "جان لوك برونيل"، "إيهود باراك"، و"آل جور".
خامسا: ما يحدث داخل الجزيرة.. شهادات الضحايا
من خلال الوثائق والمسلسلات الوثائقية (مثل "Filthy Rich")، رسمت الضحايا صورة مرعبة لما كان يحدث على الجزيرة:
العزلة: بمجرد وصول الفتيات (بعضهن في سن 14 أو 15)، كن يجردن من جوازات سفرهن.
الاعتداءات اليومية: إجبارهن على تقديم جلسات تدليك تتحول إلى اعتداءات جنسية متكررة.
الطقوس النفسية: مزيج من الإغداق المالي والتهديد بالنفوذ لضمان الصمت.
سادسا: مصير الجزيرة اليوم (2026).. نهاية إمبراطورية الشر
بعد وفاة "إبستين" وسجن "غيسلين ماكسويل" (التي تقضي عقوبة السجن لمدة 20 عاما)، شهدت الجزيرة تحولات جذرية:
البيع والتطوير: في مايو 2023، تم بيع جزيرتي "ليتل سانت جيمس" و"غريت سانت جيمس" للملياردير "ستيفن ديكوف" (Stephen Deckoff) مقابل 60 مليون دولار (أقل بكثير من السعر المطلوب).
الوضع الراهن (2026): يمضي "ديكوف" قدما في مشروعه لتحويل الجزر إلى منتجع سياحي فاخر، حيث تم هدم العديد من المعالم المرتبطة بـ"إبستين" لمحو التاريخ المظلم للمكان، وسط محاولات لإعادة تسمية المنطقة سياحيا.
سابعا: الخلاصة والمشهد السياسي (2026)
قضية جزيرة "إبستين" لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العالمي حتى مع بداية عام 2026.
فشل النظام: كشفت القضية عن تواطؤ أو إهمال استمر لعقود من الأجهزة القانونية والاستخباراتية.
الابتزاز كسلاح: تبقى نظرية أن الجزيرة كانت "بنك معلومات للابتزاز" هي التفسير الأقرب للحماية التي حظي بها "إبستين" لسنوات.
الرئاسة الأمريكية: مع وجود "دونالد ترامب" في البيت الأبيض لولاية ثانية، عادت الوثائق لتكون محل نقاش، حيث يستخدمها أنصاره كدليل على براءته (نظرا لخلوها من شهادات اعتداء ضده)، بينما يطالب خصومه بمزيد من الشفافية حول طبيعة علاقته القديمة بـ"إبستين".
تظل "جزيرة إبستين" وصمة عار في تاريخ النخبة العالمية، وتذكيرا بأن الحقيقة الكاملة قد تدفن مع أصحابها، لكن أصوات الضحايا والوثائق تظل تلاحق المتورطين مهما طال الزمن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي