بين عامي 1962 و1988، عاشت الجزائر في زمن الأحلام، فقد خرجت من حرب أودت إلى الاستقلال، وتلاها جبل من الشعارات، التي تراوحت بين بناء دولة لا نظير لها، والتلويح بشعارات الاشتراكية، تحولت كذلك إلى محج للحركات التحريرية في افريقيا، ونصبت البلاد نفسها في واجهة ما كان يسمى «دول عدم الانحياز»، ففي تلك الحقبة سطع جيل من الساسة يبشر بالثأر من الماضي، ويعد الناس بأن المستقبل سيكون في متناول اليد. لكن عربة الوعود اصطدمت بواقع مثير، لم تحتمل مواصلة المسار، عندما اختلت الأمور في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988، وانهار جبل الأحلام، بعدما خرج الناس إلى الشارع، في مشهد غير مسبوق، يعبرون عن خيبة أملهم، يعلنون سقوط الشعارات التي احتشدت بها عقولهم، فقابلهم الرصاص في الشارع. خرجوا بصدور عارية في مواجهة عنف لم يفكروا فيه. وتضاربت الأرقام عن عدد الضحايا، لكنها أرقام تدور في حدود المئات. كانت المرة الأولى التي يصوب فيها جزائري بندقيته صوب جزائري آخر منذ الاستقلال.
في السابق كان الجزائري يموت على يد المُستعمر وليس على يد بني جلدته. انتهت الحياة الحالمة، وانتقلت البلاد من عصر الألوان إلى عصر رمادي، بعدما دخلت حيزا من الأزمات. الحقبة التي نتحدث عنها دامت ربع قرن، وهي الحقبة ذاتها التي تدور فيها وقائع «ريفزالت» لعبد الكريم قادري (الريس ـ 2025). ففي هذه الرواية نطالع تاريخا مغيبا، عن جزائريين قضوا حياتهم في قطيعة مع أهاليهم، لم يكونوا من فئة الحالمين، ولا من فئة الناقمين، لم يسقطوا برصاصة، بل وجدوا أنفسهم على حافة التاريخ، مستعبدين منه. فهي رواية تتراوح أمكنتها بين الجزائر وفرنسا، في كشف زلات التاريخ، وفي الإمساك بالاختلالات التي عرفها الجزائريون عقب الاستقلال. فعندما خرج أناس في احتفال بنهاية الاستعمار، خرج آخرون يحملون على أكتفهم وزرا لا ذنب لهم فيه، صارت الأنظار تصوب إليهم وكأنهم من بقايا الكولونيالية، ما اضطرهم إلى حزم حقائبهم وركوب باخرة أوصلتهم إلى بلاد المُستعمِر القديم. وهناك سوف يعيشون بذاكرة متشظية، يطوفون بين أزقة وساحات فرنسية، لكن عندما يغمضون أعينهم في الليل، لا تراود عقلهم سوى أحلام العودة إلى الجزائر. إنها رواية تعري كذلك هشاشة الشعارات التي تصر عليها فرنسا، عندما تدافع عن العدل والمساواة بين البشر، لكن عندما يصير هؤلاء البشر عربا، لاسيما من بلد كان تحت سطوتهم، تنقلب الموازين وتختل معايير المساواة في التعامل معهم.
صورتان لبلد واحد
في هذه الرواية، تتقاطع حياتان. من جهة، يصادف القارئ طاوس، التي ولدت في الجزائر، ثم رأت جثة جدها معلقة على شجرة، إثر قضية ثأر مع دنو استقلال البلد، قبل أن تركب باخرة وتجد نفسها في فرنسا، في مركز إيواء يدعى «ريفزالت»، ثم تغير اسمها إلى سارة، حذر التعرض للعنصرية جراء اسمها الأول، ثم تدفن شقيقها الأصغر بعدما بلغت السادسة من عمرها، من غير أن تفهم لماذا انتقلت إلى الضفة الأخرى، ولماذا تعيش فيها بدل وطنها الأصلي، ولم تفهم ما سمعته من الكبار عما ساد من تصفية حسابات، إلى أن تكبر وتلتحق بالجامعة ثم تتضح لها أشياء غابت عنها، وتخرجت في كلية المحاماة. من جهة أخرى نصادف مراد، الذي جاء من بيئة مختلفة، فوالده من رموز حرب التحرير، وسوف يستفيد من مكاسب هذا الوالد، الذي تدرج في المراتب، ويجد نفسه في فرنسا، يعيش حياة مسالمة. وهذه واحدة من التناقضات الجزائرية، بينما الآباء كانوا يصفون فرنسا بالعدو، في الخمسينيات من القرن الماضي، يصير الأبناء من المقيمين فيها ويرجون فيها عيشة آمنة. سارة ومراد يسمعان من حولهما من يعادي فرنسا جهرا، لكنهم في سرهم يرجون أن تتحقق فيها أحلامهم ويكبر فيها أبناؤهم. ومن الوهلة الأولى للرواية، قد نتخيل أن مساري سارة ومراد سوف يفضيان إلى علاقة متينة، لكن ذلك لم يحصل، لأن كل واحد منهما يعيش على أنقاض التاريخ، ولم يقطعا الحبل الذي يوصلهما بالماضي. والشخصيتان نفساهما، وعلى الرغم من أنهما جاءا من بلد واحد، فإنهما يقدمان صورتين مختلفتين عنه. سارة هي رهينة ماضي عائلتها، بينما مراد رهينة والده، والعلاقة بينهما شائكة، سادت فيها مناوشات واشتباكات، فبحكم أن والده ترقى في المرتبة الاجتماعية والسياسية، فإنه يريد لابنه مصيرا مماثلا، وكذلك يجد مراد نفسه في قبضة زوجة أبيه، التي لم تتخلف في تذكيره بوصايا الأب. قبل أن يكتشف في النهاية أنه عاش حياة مزيفة، وأن أمه التي ظن أنها ماتت، إنما راحت ضحية قتل، والفاعل والده بنفسه، وأنه ولد من علاقة محرمة حسب نظر المجتمع. فإذا كانت السياسة قد أخرجت سارة من دائرة التاريخ، فإن مراد خرج من التاريخ جراء سلطان والده.
هكذا تسير الشخصيتان في حياة مفخخة ببقايا الماضي، ليس بوسعهما أن يتقدما إلى الأمام، ولا أن يرتبطا في علاقة سليمة من غير تنازلات. وبناء على هاتين الشخصيتين يتصاعد الإيقاع في رواية «ريفزالت»، على الرغم مما شابه في بعض الأحيان من كتابة تقريرية، كان بالإمكان تفاديها، لكنها لا تضر العمل، كما طرأ عليها في أحيان إسراف في قصص هامشية لا تتقاطع مع الحكاية الأصلية، لكنها في المجمل تقدم تاريخا غير مرئي عن الجزائر، نادرا ما نصادفه في روايات أخرى، كما إننا نشعر بأن الكاتب قد اتكل على أرشيف واسع، في تأريخ وقائع وفي الذهاب نحو تفاصيل الأحداث، كما إنه يدرج مراسلات ووثائق في النص، بشكل يبين الجهد الذي بذله في كتابتها، من أجل استعادة حقبة تكاد تمحى من الذاكرة، وفي استحضار فئة من الجزائريين وجدت نفسها ممزقة بين ضفتين عقب الاستقلال في عام 1962.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :