ظلّ الطعام، حتى وقت قريب، موضوعا هامشيا في دراسات التاريخ الحديث للشرق الأوسط. فقد انشغلت أجيال واسعة من المؤرخين، ولاسيما منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بنوع آخر من التاريخ: تاريخ الدول، والانقلابات، والنخب السياسية، والأيديولوجيات الكبرى. في هذا السياق، جرى التعامل مع الطعام بوصفه تفصيلا هامشيا، أو مسألة حياتية لا ترقى إلى مستوى التاريخ الجاد، ويبدو الإهمال أكثر غرابة حين نتحدث عن بلاد الشام، وهي المنطقة التي قدّمت للعالم واحدا من أكثر المطابخ شهرة وانتشارا، من مطبخ حلب المديني المعقّد إلى أطعمة الشارع الشعبية مثل الفلافل والحمص.
في هذا السياق، يأتي كتاب «تشكّل المطبخ الشامي: تاريخ حديث للطعام في الشرق الأوسط» الصادر عن جامعة تكساس، بتحرير مجموعة من الباحثين في تاريخ الطعام، بوصفه محاولة واعية لتصحيح هذا الخلل. إذ يرى المشاركون في الكتاب أن الطعام يتيح إعادة فهم قضايا أساسية تتعلق بالهجرة والاستعمار والرأسمالية، والعنف، والسلطة في الشرق الأوسط، خلال المئة سنة الأخيرة. ولعل ما يميّز الأبحاث المنشورة في هذا الكتاب هو، تجاوزها لفكرة التاريخ الطويل للطعام بوصفه بنية ثابتة لم تتغير. فالمشاركون ينطلقون من أن الطعام الذي نراه اليوم في المنطقة، وبالأخص في بلاد الشام، هو نتاج المئة سنة الأخيرة أكثر مما هو امتداد مباشر لمطبخ تقليدي عابر للعصور. ومن هنا، يقترحون منذ البداية تجاوز فكرة الأصالة، لصالح تفكيك مفهوم المطبخ نفسه: كيف يتشكّل؟ ومن يصنعه؟ ولماذا؟ ولصالح من تُروى قصته اليوم؟
المفارقة التي ينطلق منها الكتاب واضحة: المطبخ الشامي حاضر في كل مكان، لكن تاريخه الحديث شبه غائب. فمطاعم لبنانية وفلسطينية وسورية تنتشر من غرب افريقيا إلى أوروبا والأمريكتين، وغالبا ما تُصنَّف، ولاسيما في أمريكا الشمالية، تحت مسمّى فضفاض هو «المطبخ المتوسطي»، وهذا التصنيف لا يختزل تنوّع المطابخ الشامية فحسب، بل يجرّدها أيضا من سياقها التاريخي والاجتماعي.
بعد عام 2011 ومع موجات اللجوء السوري، أصبح الطعام أحد أهم وسائط الاحتكاك بين الشام والعالم. ملايين البشر تعرّفوا إلى الثقافة الشامية، من خلال الشاورما والمناقيش والفلافل، أكثر مما فعلوا عبر الكتب أو المتاحف. ومع ذلك، ظل السؤال التاريخي مؤجّلا: كيف تشكّل هذا المطبخ أصلا؟ ومتى؟ وما القوى التي صاغته؟
إحدى أهم مساهمات الكتاب هي الابتعاد عن السؤال الشائع: من يملك هذا الطبق؟ هل الفلافل فلسطينية أم لبنانية أم سورية؟ هذا السؤال، كما يقترح الكتاب، مضلِّل في جوهره. فالأهم ليس الملكية، بل السلطة: من يملك القدرة على تعريف الطبق، وتسويقه، وتحويله إلى رمز قومي أو سلعة عالمية، ومن يُستبعَد من هذا السرد.

الفلافل مثال نموذجي على ذلك. فهي طعام شعبي فقير، ارتبط بالمدينة والعمل والشارع، قبل أن يجري «تأميمه» وتحويله إلى رمز قومي، ثم إلى منتج عالمي منزوع السياق. في هذه العملية، تُمحى طبقاته الاجتماعية، ويغيب الفاعلون الأصليون ـ الباعة، والعمال، والفقراء ـ من القصة الرسمية. وما يبدو خلافا ثقافيا بريئا يخفي في الواقع علاقات قوة غير متكافئة.
في العادة، يستخدم الناس المطبخ للتكيّف مع التحولات الكبرى، وللمقاومة أحيانا، وللتفاوض مع المكان الذي يعيشون فيه. وتكتسب هذه الفكرة معنى خاصا عند النظر إلى تجارب اللجوء والهجرة المعاصرة. تجربة الشاورما السورية في تركيا مثال كاشف. ففي مرحلة أولى، كانت الشاورما جسرا للاندماج: وسيلة لكسب العيش، والدخول إلى المجال العام، وخلق ألفة مع المجتمع المضيف. لاحقا، ومع تصاعد الخطاب العنصري، تحولت الشاورما نفسها إلى علامة وصم، وإلى اختزال للسوري كله في صورة دكان أو سيخ لحم، بل إن الإفراط في مديح الشاورما، أو السخرية منها، أصبح جزءا من خطاب سياسي واجتماعي أوسع.
هنا لا يتغير الطعام في مكوّناته فقط، بل في دلالته الرمزية. فالشاورما لم تعد مجرد وجبة، بل أصبحت لغة تفاوض يومية حول القبول، والانتماء، والرفض.
يرفض الكتاب فكرة المطابخ الوطنية الصافية، فالأطباق التي نعدّها اليوم لبنانية أو سورية أو فلسطينية، فهي في الواقع نتاج تاريخ طويل من التبادل، والهجرة، والتأثير المتبادل داخل المنطقة وخارجها. الكبة والتبولة والحمص والفلافل، كلها قصص متداخلة من التجارة والاستعمار، والنزوح والحداثة. يسمح هذا التحليل بفهم أعمق لمشاريع «تأميم» الطعام، سواء في تركيا أو إسرائيل. وكما يشير سامي زبيدة، فإن تحويل المطبخ إلى رمز قومي أخفى تاريخا أعمق من التعدد والتداخل الثقافي. فكباب أضنة مع فلفل حلب، أو الفستق الحلبي الذي أُعيدت تسميته وكأنه منتج محلي صرف، ليست تفاصيل هامشية، بل شواهد على كيفية محو الأصول وإعادة كتابتها.
مطبخ شامي عابر للعصور
من الأفكار المهمة التي يقدّمها الكتاب، أن ما نعرفه اليوم بوصفه «مطبخا شاميا» لم يتبلور إلا في القرن التاسع عشر. فاندماج المشرق في الاقتصاد الصناعي العالمي لم يؤدِّ إلى تفككه، بل إلى شكل جديد من التكامل الاقتصادي والثقافي.
المدن الساحلية مثل بيروت وحيفا ويافا، استقبلت مهاجرين من الداخل، وطوّرت علاقات جديدة مع الريف. ومع نمو قوة عمل متنقلة، في معظمها من الرجال، ظهرت أطعمة تلائم العمل والتنقّل، مثل أنواع الكباب المختلفة. وهذا يقوّض الصورة التلفزيونية الجامدة للطعام الشامي، التي تقدّمه، وكأنه ثابت منذ قرون، بلا تاريخ طبقي ولا علاقة له بالتحولات الاجتماعية. كما كان للهجرة العالمية دور حاسم في تشكيل المطبخ الشامي. فالوجهة الأولى كانت مصر، ثم الأمريكتين منذ أواخر القرن التاسع عشر. وبحلول عام 1914 كان واحد من كل ثلاثة من سكان جبل لبنان قد هاجر، وأصبحت التحويلات المالية ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
في الشتات، كان الطعام علامة هوية مركزية. لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، بل وسيلة للاندماج وإعادة تعريف الذات في مواجهة ثقافات جديدة. وهذا ما نراه اليوم في تجارب السوريين في تركيا وأوروبا: فالمطبخ المهاجر ليس نسخة محفوظة من «الأصل»، بل ممارسة يُعاد تشكيلها باستمرار تحت ضغط السوق، والذوق المحلي، والعنصرية، والحنين في آن واحد.
أصالة الطعام والنزوح
يمكن تلخيص فكرتين محوريتين في الكتاب: الأولى تتعلق بصعود الدولة القومية ودورها في إنتاج مطابخ وطنية، أما الثانية فترتبط بالنزوح والهجرة، وكيف أسهما في إعادة تشكيل المطابخ. أثناء الحرب العالمية الأولى، أدى الحصار والمجاعة إلى كشف هشاشة الأمن الغذائي في المنطقة، وأرسى أنماط تبعية استمرت في ظل الاستعمار، ثم مع قيام الدول القومية. وفي القرن العشرين، جرى إنتاج «مطابخ وطنية» جديدة أخفت التنوع القروي والوحدة الإقليمية الأوسع للطاولة الشامية.
في هذا السياق، يمكن قراءة الكتابات عن الطعام في حلب في خمسينيات القرن العشرين، موسوعة خير الدين الأسدي مثالا، بوصفها لحظة انتقالية. فجيل ما قبل الدولة القومية كان أكثر وعيا بالفواعل التاريخية ـ العثمانية، والاستعمارية، والتجارية ـ في تشكيل الطعام، لكن مع استقرار الدولة الوطنية، ولاسيما منذ السبعينيات، جرى تثبيت الطعام الوطني تحت مسميات الأصيل والتراثي والتقليد. وبالتالي نرى أن نخب ما قبل الدولة القومية كانوا أكثر وعيا واعترافا بفكرة تنوع مصادر المطابخ التي عاشوا فيها، مقارنة بالأجيال اللاحقة. من جانب آخر، يبيّن أحد فصول الكتاب كيف لعب المهاجرون السوريون دورا في تغيير الأطباق الشامية خلال هجرتهم إلى أمريكا في مطلع القرن العشرين. فمع احتفاظهم بأسماء الأطباق «تبولة، كبة..»، تأثروا بالثقافات الأخرى، وأضافوا مكوّنات جديدة أحيانا. كما أسهمت مطاعمهم، ولاسيما في الحي السوري في نيويورك، في خلق حضور وهوية جماعية لهم. فقبل افتتاح هذه المطاعم، عاش السوريون شكلا من التهميش الثقافي؛ ورغم كثافة وجودهم، لم يكن هناك فضاء يعبّر عن ثقافتهم. لاحقا، ومع افتتاح المطاعم في العقد الأول من القرن العشرين وما بعده، أصبح حضور السوريين واضحا في الحي وفي مدينة نيويورك عموما.
ولعل العلاقة بين الهجرة والطعام تتكرر اليوم في دمشق. فتجربة المدينة بعد عام 2011 تكشف بوضوح كيف يعكس الطعام التحولات السكانية. إذ نزحت أعداد كبيرة من أبناء دير الزور، التي شهدت دمارا واسعا، إلى أحياء وضواحي دمشق. وهناك بدأ سكان المدينة يتعرّفون إلى «الكباب الديري» كما في مثال افتتاح مطعم «ستة إلا ربع» في دمشق، والذي حمل اسم أحد شوارع دير الزور. وهكذا، لم تعد مطاعم الكباب الديرية، مجرد تنويع في الذائقة، بل أصبحت أثرا مباشرا للنزوح وإعادة تشكيل المجال الحضري. فالمطبخ هنا يتحول إلى خريطة للتغير الاجتماعي في مدينة دمشق. وبالتالي، يمكن القول، إن المطبخ الشامي اليوم، بمعناه الأوسع، ليس ماضيا محفوظا ولا تقليدا ثابتا، بل حاضر قلق يعكس ما عاشته المنطقة من حركة، وعنف، وحنين، ومحاولات مستمرة لإعادة تعريف الذات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :