حين تتكلم الأرض في ملامح أبنائها
الإنسان في أحد وجوهه يشبه أرضه أكثر مما يظن في العراق حيث تتجاور السهول الخصبة مع الهضاب القاسية وحيث يختلف لون التراب كما تختلف نبرة الريح يمكن للمرء أن يلاحظ كيف أن الجغرافيا لا تصنع التاريخ وحده، بل تترك أثرها الخفي في النفس البشرية
ليست الجرأة دائماً صراخاً ولا الثورة دائماً فعلاً سياسياً أحياناً تكون الجرأة طريقة حياة وتكون الثورة موقفاً داخلياً من القوالب الجاهزة. ومن يتأمل علاقة الإنسان بأرضه يدرك أن بعض البيئات لا تكتفي بتعليم أبنائها كيف يعيشون بل تدفعهم من حيث لا يدرون إلى اختبار الحدود وكسر المألوف، وحتى الاصطدام بالتقاليد حين تضيق.
في جنوب العراق حيث الأرض لا تعرف السكون الطويل وحيث الماء إمّا أن يفيض أو ينسحب نشأ الإنسان على فكرة غير معلنةما(لا يتغيّر)يختنق.
هذه الفكرة لا تُدرّس لكنها تُعاش. فالجنوب لم يكن يوماً أرض استقرار كامل بل أرض تحوّلات. زراعة تتبدل أنهار تغيّر مجراها سلطة تمرّ وأخرى تزول. وفي مثل هذا المناخ لا تتحول العادات إلى مقدسات بسهولة لأنها تصطدم دائماً بواقع يفرض إعادة النظر.
لذلك، ليس غريباً أن يبدو الجنوبي أكثر قابلية للتمرّد على القالب الاجتماعي وأكثر استعداداً لمساءلة القيم حين يشعر أنها لم تعد تخدم الحياة. لا يفعل ذلك بدافع الفوضى، بل بدافع شعور عميق بأن البقاء ليس في الطاعة العمياء بل في القدرة على كسر الشكل حين يضيق بالمضمون.
حتى في الحروب يظهر هذا الأثر بوضوح.
فحين يُطلب من الناس أن يكونوا في الصف الأول غالباً ما يكون ابن الجنوب والوسط حاضراً ليس لأن الموت أهون عليه، بل لأن العلاقة مع الخطر ليست جديدة. الأرض علّمته أن الحياة نفسها غير مضمونة وأن الانتظار ليس دائماً أكثر أماناً من المواجهة.
الثورة هنا ليست حباً في القتال بل استعداد نفسي للاصطدام حين يبدو الاصطدام أقل كلفة من الصمت.
في المقابل تنشأ في بيئات أكثر قسوة جغرافياً علاقة مختلفة مع القيم والعادات. هناك يصبح الحفاظ على القالب جزءاً من الحفاظ على التوازن. التقاليد ليست مجرد إرث، بل نظام أمان. الخروج عنها لا يُنظر إليه كثورة، بل كمجازفة قد تهدد الانسجام الذي يحتاجه المجتمع للبقاء في بيئة شحيحة الموارد. لهذا يبدو التغيير هناك أبطأ، لا لأنه مرفوض أخلاقياً بل لأنه يُقاس دائماً بسؤال:
هل يحتمل المجتمع كلفة هذا الخروج؟
بين هذين النمطين، لا توجد أفضلية أخلاقية مطلقة لكن توجد حقيقة يصعب تجاهلها
الأرض السهلة، الخصبة، المتحركة، تميل إلى إنتاج إنسان أقل صبراًعلى الجمود وأكثر استعداداً لهزّ البنية حين يشعر أنها تحجّرت. بينما الأرض الصلبة، الحذرة، تميل إلى إنتاج إنسان يحافظ على البنية حتى وهو يشكّك بها في داخله
كلاهما لغتان مختلفتان للبقاء.
إحداهما تقول: لن أعيش داخل قالب يخنقني.
والأخرى تقول: لن أهدم سقفاً لا أعرف إن كنت أستطيع بناء غيره.
في النهاية، لا تصنع الأرض أبطالاً ولا جبناءلكنها تصنع أنماط شجاعة مختلفة.
شجاعة تكمن في كسر السائد وأخرى تكمن في حمايته حتى تنضج لحظة التغيير.
والإنسان حين يعي هذا الأثر يصبح أكثر عدلاً في حكمه وأكثر تواضعاً في فهمه لنفسه ولغيره.فربما لم نكن نختَر طباعنا الأولى ربما لهذا السبب، لا يمكن فهم الإنسان دون الإصغاء للمكان ولا يمكن اختزال الإنسان في مكانه. فالأرض التي شكّلتنا يوماً لا تمنعنا من أن نصبح أكثر اتساعاً منها لكنها تطلب فقط أن نعترف بفضلها الأول مثل الام تماماً
ربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي
هل يشبه الإنسان أرضه بل إلى أي حد نسمح للأرض أن تكون بداية لا نهاية؟
وإلى أي مدى نملك الشجاعة لنفهم طباعنا؟من دون أن نجعلها سجناً
بل نقطة انطلاق
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي