على بعد ثلاثمئة كليومتر إلى جنوب الجزائر العاصمة، تصير الطريق بلون الرمل. تلال تتلوها تلال، والخلاء يتسع. يتوارى اللون الأخضر، الذي يملأ الأبصار في الشمال وتنوب عنه شجيرات ونباتات برية تتباعد في ما بينها، وبالكاد نراها. يتوارى كذلك الإسمنت ونصادف، بين الفينة الأخرى، قرية أو بلدة بمنازل منخفضة العلو. إنها صحراء من الصمت والتأمل والقلق. والحافلة التي أركبها تتهادى في سيرها. لا بد أن أمسك الكرسي بيدي حذر أن أترنح أو أميل إلى الأمام أو الوراء. ومن حولي مسافرون دخلوا في غفوة أو يتلهون بالموبايل، رجال يخفضون أبصارهم في حياء أهل الجنوب، وامرأة تحمل رضيعها الذي نام على صدرها بعدما أعياه البكاء. فكلما ابتعدنا عن عاصمة البلد، قل الصخب وزاد السكون. ومن أجل مقاومة الضجر، ولأنني لم أستطع مطالعة كتاب من كثرة ترنح الحافلة، فقد وضعت سماعتين في أذني وانطلق صوت رشيد طه (1958-2018)، في تأدية أغنيته الأشهر: «يا رايح»، هذه الأغنية التي يعني عنوانها: «يا أيها المسافر». إنها أغنية طافت بين أرجاء البلاد، مثلما طافت بين البلدان العربية. ويكاد يحفظها كل الذين ولدوا في الثمانينيات، أو مطلع التسعينيات من القرن الماضي. إنها بيان في مدح المنفى وذمه، في الدعوة إلى السفر وفي التحذير منه. من شأنها أن تُطابق كل مكان وكل زمان، ولا تشترط على صاحبها أن يفهم اللهجة الجزائرية، بل سوف يتذوق كلماتها من غير حرج. لقد صارت بطاقة هوية صاحبها (مع أنها ليست من كلماته)، إنها أغنية يجدر أن نصغي إليها ثم نكرر الإصغاء من دون ضجر.
ثم بزغت في ذهني صورة رشيد طه وهو يؤدي الأغنية نفسها على مسرح في باريس. وهو يتمايل في الغناء بشعره الطويلة، يفتح أزرار قميصه، إلى درجة نظن فيها أن الرجل ثمل، أو جاء للغناء من غير أن ينال نصيبا من النوم والراحة. لكن الحقيقة ليست كذلك، لأن المغني يتمايل جراء مرض خلقي نادر، يطلق عليه «آرنولد خياري»، يصيب المخيخ ويجعل الإنسان لا يتحكم في حركاته كما ينبغي. وتلك علامة أخرى في سيرة رشيد طه، لا نتخيله إلا في حركاته الطارئة وهو يغني، وهو يميل يمينا وشمالا، من غير أن يتنازل عن ابتسامته. إنها واحدة من أسطع الابتسامات التي يمكن أن نراها على وجه مغنٍ. يضاف إلى ذلك صوته الخشن، القادم من أعماق موسيقى الروك، وهو صوت حديدي يتحول إلى ناعم عندما يتسلل في شقوق القلب. استطاع أن يطوع صوته بما يتلائم مع الأغنية العربية، فزاد من حضورها في أسماع جمهور من الغرب. والمفارقة أن رشيد طه، الذي عاش بين الجزائر وفرنسا، يحظى بشعبية في إنكلترا وفي بقاع أخرى أنكلوسكسونية، أكثر من شهرته في بلد المنشأ أو بلد الإقامة. وهو الذي تعلم العربية في صغره بفضل أم كلثوم من كثرة استماعه إليها.
هدم الكليشيهات
عقب استقلال الجزائر (1962)، وجد والد رشيد طه نفسه بلا عمل، ولا سبيل له إلا السفر إلى فرنسا، كحال عشرات آلاف من الجزائريين، الذين توجهوا إليها ولعبوا دورا في نهضتها الصناعية. وعندما بلغ الطفل الثامنة من عمره التحق بأبيه في المهجر. تدرج في مدارس فرنسية، في بيئة انعدمت فيها اللغة العربية، لكنه بصبر ومثابرة، ومن إدمان الاستماع إلى أم كلثوم تعلم لغتها. وبينما والده أراد له أن ينجح في التعليم أن يتخرج في الجامعة بشهادة تعينه على شغل منصب متقدم، اختار رشيد طه طريقا أخرى. اعتنق الموسيقى. وفي العشرين من عمره، عندما كان لا يزال اسما مجهولا، ولم تكن هويته تدر عليه فرنكا واحدا، امتهن حرفة أتاحت له القليل من المال: وهي بيع الكتب. لم يكن بائع كتب تقليديا، بل قارئا نهما، يطالع الأعمال الكلاسيكية، وكذا أحداث الإصدارات، يدون ملخصات لها، ثم يطوف بين البيوت ويطرق الأبواب ويعرض سلعته على زبائن محتملين. هكذا نشأ قارئا والقراءة سوف تؤهله في زمن لاحق أن يصير كاتب كلمات، كما صار كذلك متحدثا لبقا في بلاتوهات التلفزيون، وعندما سئل ذات مرة عن كاتبه المفضل، ذكر فرانز فانون، وكان يرفع صورة له في بيته إخلاصا له واحتراما لسيرته في النضال وفي الكتابة.
ولم يسطع نجم رشيد في الغناء إلى غاية النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي. عندما توفيت داليدا برز اسم رشيد. يحلو للبعض أن يقول عنه، إنه نسخة مذكرة عنها. إنه داليدا في صورة جديدة. فقد تحول ـ رغما عنه ـ إلى رمز بالنسبة إلى الشباب المهاجرين (مثلما كانت داليدا)، صار من حيث لا يعلم ناطقا باسمهم. في حقبة شرع فيه خطاب من العنصرية في التصاعد إزاء المهاجرين، ما زرع قلقا في قلوبهم، فوجدوا في رشيد طه بديلا في تخليصهم من الكليشيهات التي ألصقت بهم. فهو العربي الذي غنى بلسان فرنسي فصيح، وهو الذي أدرج ألحانا غربية في أغانٍ عربية، وهو أشهر اسم عربي في موسيقى الروك، وهو الذي جمع بين الروك وموسيقى الراي. خلطة يندر أن نعثر عليها في سيرة مغنٍ آخر. وفي نهاية الثمانينيات كذلك عندما صعد نقاش عن صراع حضارات، عن تصادم بين شرق وغرب، وقف رشيد طه في منتصف الطريق، يصدح بصوته كنقطة وصل تمنع حصول هذا الصدام، الذي تحدثت عنه الصحف والتلفزيونات. فقد عاش مقسما بين ضفتين، من أجل الصلح بينهما، لا يميل إلى ضفة على حساب ضفة أخرى. يزرع الأمل بين الطرفين كي يتحاورا، لا أن يتصادما. وعندما نصغي إليه في أغانيه، لا بد أن تتوارد شذرات من سيرته في الذهن، وذلك ما حصل معي وأنا في الحافلة على الطريق، قبل أن تتراءى لي مدينة، كسرت صورة الرمل، الذي خلفته وراء ظهري، وبلغت مقصدي إلى مكتبة عامة.
لمحت سيدة جاءت برفقة ابنيها (11 سنة و14 سنة)، وأبهجني أن أرى أما تدرب ابنيها على حب الكتاب. سألتهما: هل تعرفان رشيد طه؟ فأجابا بالنفي. وذلك ما توقعته. لكنهما سوف يكبران ويصيغان إليه بدورهما، ويعلمان أن بلدهما أنجب رجلا خاض في مسالك الموسيقى من باب المعرفة والتمسك بقضية، لا من أجل المتعة والمكاسب الآنية كما فعل مغنون آخرون.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :