المُفترس الأكبر

المُفترس الأكبر

توقف العالم عن السير وفقاً لإيقاعه التقليدي. الكاتب والروائي الإيطالي جوليانو دي إيمبولي يعتقد أنّ العالم انزاح عن مساره وأنّنا دخلنا زمناً تتسارع فيه التحوّلات

 

Telegram

توقف العالم عن السير وفقاً لإيقاعه التقليدي. الكاتب والروائي الإيطالي جوليانو دي إيمبولي يعتقد أنّ العالم انزاح عن مساره وأنّنا دخلنا زمناً تتسارع فيه التحوّلات بفعل ثلاثة عوامل: التقدّم السريع للذكاء الاصطناعي، والتآكل المستمر للديموقراطية، واتساع رقعة النزاعات والحروب.

 

في كتابه الجديد «عصر المفترسين» (L’heure des prédateurs ـــ «غاليمار»)، يرسم دي إمبولي سلسلة بورتريهات لشخصيات سياسية واقتصادية نافذة مثل دونالد ترامب، وإيلون ماسك، ومحمد بن سلمان، كاشفاً في مساراتهم عن ملامح «المفترس السياسي» كما تبلور في فكر مكيافيللي.

 

ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها دي إمبولي نقداً مقذعاً للسياقات السياسية أو الثقافية المعاصرة. في كتابه «مهندسو الفوضى» (2019 ـــLes ingénieurs du chaos)، حلّل صعود الحركات الشعبوية، وتسخير البيانات الشخصية المستخرجة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي، داخل خوارزميات خُصِّصت للهيمنة السياسية. روايته الأخيرة «ساحر الكرملين» (2022) لا تخاطب الواقع الروسي؛ إنها تشريح لحاضرٍ قاتمٍ. تدور حول قصة مستشار سياسي غير مرئي يعمل من خلف الستار، ويحتلّ المشهد العام من دون مخاطبة الجماهير. الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «غونكور» تكشف كيف تشكّل السياسة الحقيقة، ويُبنى الرأي العام عبر التلاعب بالعقول عبر الخوارزميات وأدوات التأثير.

 

ما يبينه دي إيمبولي سواء في كتاباته الفكرية أو الأدبية هو أنّ النظام العالمي الجديد ثمرة تحالف فاسد بين قادة شعبويين وعمالقة التكنولوجيا. بالنسبة إليه، خضعت النخب الثقافية للنخب السياسية التقليدية، و«المفترسون» يشنون حروباً عشوائية في عالمٍ فقد توازنه، وباتت التكنولوجيا اليوم خطراً حقيقياً لأنّها أصبحت أداة بيد هؤلاء «المفترسين» ولا تخضع للقوننة. ومن هذا المنطلق، يعبّر عن حنقه من الذكاء الاصطناعي، فهو ليس غاضباً من «المفترسين» فقط، بل أيضاً من الذكاء الاصطناعي لأنه «ذكاء سلطويّ». فالذكاء الاصطناعي عند دي إيمبولي ليس مجالاً محايداً أو تقنية بريئة، بل أداة سلطة قابلة للانقلاب على المجتمعات نفسها التي أنتجته.

 

غير أن غضبه الأشد يوجه نحو «المفترس الأكبر» دونالد ترامب، الذي يجد فيه نموذجاً مكثفاً للتحوّل الجذري في السياسة. لقد أضحت معه السلطة مرادفاً للبطش، إذ به يعوّل على الخوارزميات ووسائل التواصل لتضخيم الأحداث وتعزيز الانقسامات والمشاعر العدائية، جاعلاً من الفوضى أداة سلطة وهيمنة. كأن ترامب يختزل في شخصه العوامل الثلاثة التي سرّعت إيقاع العالم وخلخلت نظامه بحسب دي إيمبولي، فهو: شعبوّي يشكل خطراً على الديموقراطية، يستعرض القوّة ويهدد بالحروب، ويتلاعب بالوعي الجماعي عبر التكنولوجيا.

 

نشهد اليوم تحوّلاً جذرياً في المسار السياسي. هناك انزلاق نحو شعوبية هجومية لا تقوم إلا على منطق العداء. هذا مسار يجيده المفترسون الجدد، وهو عصرهم، إذ عمدوا إلى إزاحة القانون والتنظيم ليحلّ مكانهما التصادم والقوة.

 

والمفترسون لا يقرأون، «دونالد ترامب لا يقرأ» يُفصح دي إيمبولي مضيفاً: «أنا لا أعني أنه لا يقرأ الكتب والمجلات، هذا من البديهي، أقصد أنه لا يقرأ عشر صفحات».

الكاتب الإيطالي الذي يكرر في مقابلاته حقيقةً باتت أشبه بمسلمة تفيد بأنّ «دونالد ترامب لا يقرأ»، يخبر كيف ينأى المفترس بنفسه عن فعل القراءة. «هذا الشيء معروف عنه. كانت صدمة كبيرة لمستشاريه. في ولايته الأولى، كان محاطاً بمستشارين مقبولين، وهو ما لم يعد قائماً اليوم في ولايته الثانية».

 

تفرض الشعبوية الإحاطة الدائمة بالـ«شبيه»، هذا ما شرحته الفيلسوفة الفرنسية باربارا كاسان، وفي هذا الشأن تحديداً، يذكر دي إيمبولي: «ترامب محاط بمن يشبهه، وبمن يريد التشبه به. كان لديه في ولايته الأولى، مستشارون مطّلعون. وعندما كان هناك أي قرار يجب أن يتخذ، أو جلسة سياسة معقودة، كانوا يعدّون لترامب قصاصات قصيرة لكي يطّلع عليها». ثم، يفجّر دي إيمبولي المفاجأة الأكبر عندما أفصح: «دونالد ترامب لا يقرأ عشرة أسطر».

 

يدفع سلوك المفترس دي إيمبولي إلى استنتاج حادّ: إن عدم القراءة هذه مشكلة خطيرة. «هذا يطرح مشكلة على مستوى نقل المعلومة بطريقة منظمة إلى حد ما، لكنه من جهة أخرى لا يقيّد غريزته ولا قدرته على استشعار روح العصر».

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram