تمامًا، مثلما يحصل في بعض الأعراس، إذ ينتهي الحفل البهيج الذي بُذلت من أجله أموال باهظة بالعراك والتصادم بين جل المدعوين وحتى أصحاب العرس أحيانًا، لمجرد وقوع حادث بسيط، فينسى الكل سخاء الوليمة وبهجة الموسيقى وبريق الملابس، ويتذكرون فقط مشاهد الملاكمة وفنون الحرب والصراخ والشتائم التي يندى لها الجبين!
ذلك ما حدث بالضبط مع بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم التي جرت أطوارها أخيرًا في المغرب. فقد اختفت مشاهد الملاعب الحديثة المصممة بإتقان، كما توارت صور وفيديوهات الشوارع المضيئة والمساحات الخضراء وجاذبية المطاعم والمقاهي والفنادق… وصرف الكثيرون النظر عن جودة التنظيم وحفاوة الاستقبال لأعضاء الفرق والجمهور والإعلاميين؛ وبالمقابل ركّزوا تعليقاتهم في مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي على المشاهد الصادمة التي حدثت خلال مباراة النهاية بين الفريق الوطني المغربي ونظيره السنغالي.
لن نعيد سرد ما وقع، لأننا لا نريد المزيد من النّكْءِ في الجراح، فقد تابع الكثيرون تلك الأحداث المؤسفة، إنْ من خلال النقل المباشر، أو من خلال الفيديوهات والتدوينات اللاحقة. ولكن ما نود التأكيد عليه، هو أن ما شهده المغرب لم يكن «عرسًا إفريقيًا حقيقيًا»، بل مناسبة لإثارة النعرات «الشوفينية» الضيقة وتغذية الضغائن والفتن بين الجماهير العربية والإفريقية.
وتلك هي تداعيات مباريات كرة القدم في البلدان الموصوفة بـ «النامية»، حيث تسقط شعارات السلام والمحبة والتقارب بين الشعوب، لترتفع عوضًا عنها ألوية الفتن والمعارك والكراهية. ولا غرابة في ذلك، فقاموس «الساحرة المستديرة» مُستوحىً من معجم المعارك والحروب. ومن كانت في نفسه ذرّة شك حول هذه الحقيقة المرّة، فليستمع إلى الوصف الرياضي للمباريات! وليشاهد أيضًا ما يحدث دائمًا بعد مباريات «الديربي» بين المشجعين وأنصار الأندية، من شغب وفوضى واعتداء على الناس، بمن فيهم رجال الأمن، وعلى الممتلكات العامة والخاصة!
فلماذا إذًا، تُعطي معظم الحكومات العربية والأفريقية الأولوية في موازناتها المالية لكرة القدم التي تغذّي العنف بمختلف أشكاله المادية واللفظية والنفسية، وتصرف النظر عن قطاعات أخرى تكرّس القيم المدنية الرفيعة، من علوم وفنون وآداب وتربية وتعليم؟
شظايا المعركة!
خلال القمة الرياضية الإفريقية في المغرب لم نكن إزاء مباريات رياضية، بقدر ما كنا أمام حرب عرقية، يُخاصم فيها المصري «أخاه» المغربي والعكس، والشيء نفسه يسري على الجزائري والسنغالي وهلم جرا… فتفرقت شظايا المعركة «شذر مذر»!
فهذا مسؤول رياضي مصري من درجة مدرب وطني، من المفروض فيه أنه يمثل بلده خير تمثيل، صار مختصًّا في التلويح بعبارات الهجاء أمام الصحافيين، بدءًا من هجاء الجمهور المغربي، وصولاً إلى الانتقاص من ظروف الإقامة والاستعداد للمباريات، وهو ما كذّبه بعض الإعلاميين والمدوّنين المصريين الذين انتقلوا إلى مدينة طنجة، حيث بثّوا «فيديوهات» تظهر روعة الفندق الذي أقام فيه المنتخب المصري ومدربه، وتفنّد ادعاءه بأن الإقامة كانت مجرد «بنسيون» يسرح فيه «الناموس» (البعوض) !
وفي الجزائر لم يكتف الإعلام الرسمي بتزييف الحقيقة المتعلقة بالبنيات التحتية في المغرب، بل صار كذلك مهيّجًا للجماهير من أجل الخروج للفرح بهزيمة المنتخب المغربي أمام نظيره السنغالي في مباراة النهاية. إنها مشاهد «مقززة» فعلاً، لا تليق بما يربطنا كعرب ومسلمين، والعبارة للإعلامي التونسي صالح الأزرق صاحب برنامج «الرأي الحر» في قناة «الحوار». والحال أن المغاربة والجزائريين والتونسيين ـ كما قال ـ إخوة وأشقاء ومتصاهرون، يتألم بعضهم لآلام البعض الآخر، ويفرح لفرحهم.
وتداول الناس «فيديو» صوّرته معلمة جزائرية بنفسها عن نفسها، وهي تلقّن الصغار فن الكراهية، بمبرر واهٍ، مفاده أن المغاربة «احتقرونا» خلال المباراة… تسأل المعلمة تلامذتها: هل المغاربة يحبوننا أم لا؟ فيأتي الجواب جماعيًا بالنفي. ثم تعود لتسألهم: هل نحبهم نحن أم لا؟ لا لا لا، تردد الطفولة البريئة تحت تأثير الشحن بدروس البغضاء! وغالب الظن أن المعلّمة صورت «الفيديو» ليبقى حُجّة لها، تدلي بها أمام رؤسائها دليلاً على «حب الوطن»، فصار «الفيديو» حجّة عليها، تُكرّس المزيد من التفرقة والعداوة!
أما في السنغال فقد صارت أسر من الجالية المغربية خائفة على نفسها وممتلكاتها ومستقبلها هناك، جرّاء ما تردد عن وجود مضايقات وأعمال عنف وتهديدات يقف وراءها مواطنون سنغاليون، تملّكتهم «هستيريا» فوز بلدهم بالكأس الإفريقية. والعهدة على مصادر إعلامية مغربية رصينة.
العروي المفترى عليه!
قد نتفهم ما أقدم عليه بعض المدونين المغاربة من سلوك انفعالي عبّروا عنه في حساباتهم الافتراضية، جراء الصدمة الناتجة عن أحداث الأحد المنصرم «غير الرياضية»، ولكن ما لا يُستساغ أن تنخرط النخبة المثقفة نفسها في موجة التحريض والنزعة «الشوفينية» والمغالاة في الهجوم على الشعوب الأخرى وادعاء الانفصال عن كل رابط عربي أو إفريقي.
الغريب في الأمر أن «الفيسبوك» امتلأ خلال الأيام المنصرمة بتدوينات لأسماء مغربية معروفة، صيغت تحت تأثير الانفعال السريع والتأثر البالغ بمخلفات المباريات النهائية مع الفريق السنغالي، فصار أصحابها يرددون عبارة ألا فائدة من الانتماء الإفريقي أو العربي، وأنه على المغرب أن ينظر إلى أوربا فحسب، وألا يشارك من الآن فصاعدا سوى في التظاهرات الأوربية. كما أن بعض تدوينات النخبة المثقفة تركت التفكير العقلاني جانبًا، ومالت مع العاطفة ومع عامة الناس، وغدت تسخر من الأفارقة ومن الجيران.
«هذا الإسهال في التعبير عن وطنية شوفينية عنيفة ولا أخلاقية لدى فئة واسعة من الفنانين والصحافيين والسياسيين والأكاديميين ومن يسمون مؤثرين، أمر مثير للقلق»، كما استنتجت الباحثة أمينة ماء العينين، منبّهة إلى أن «تنامي هذا النوع من التعبيرات أمر مسيء للوطنية الحقة، حتى أصبح الكل حريصًا على ألا يتخلف عن هذا الركب الزائف، حتى لا يقال عنه أنه غير وطني».
وفي محاولة لإضفاء بعض «الشرعية» و»المصداقية» على هذه الدعوة الغريبة، المتمثلة في الانغلاق والتقوقع على الذات، استعار بعض الكتاب والمثقفين عبارة للمفكر المغربي عبد الله العروي، فُصلت عن سياقها الفكري، وحُشرت قسرًا في سياق الموقف السياسي اللحظي الانفعالي. منذ عشرين سنة، اختتم عبد الله العروي حوارا تلفزيونيا أجرته معه القناة الأولى المغربية بقوله: «قدرنا هو أننا جزيرة، ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة مُطوّقة»… هذه المقولة صارت رائجة حاليا في كثير من تدوينات الطبقة المثقفة، لتبرير دعوتها الغريبة المُجافية لمنطق التاريخ والجغرافيا والمشترك الإنساني. لقد فعلتها اللعينة، «الساحرة المستديرة»!
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :