"اتصال الشرع يوقظ ذاكرة السياسة اللبنانية: هل يعيد سامي الجميل تجربة الماضي؟"

"قد تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة، لكن لبنان الذي دفع ثمن الحروب لن يسمح بسهولة بأن يُكتب تاريخه مرة أخرى بالحبر نفسه."

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

حين يتجاوز الاتصال حدود الدولة: هل يطرق شبح الحرب باب لبنان مجدداً؟!

في بلدٍ مثل لبنان، لا تمرّ الإشارات السياسية الصغيرة مرور الكرام. فالتاريخ هنا ليس مجرد ذاكرة بعيدة، بل طبقات متراكمة من التجارب والتحالفات والصراعات التي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على الحاضر. ولذلك، يكفي أحياناً اتصال سياسي واحد ليعيد فتح دفاتر الماضي ويوقظ أسئلة ظنّ كثيرون أنها أصبحت جزءاً من التاريخ.

 

من هنا أثار الاتصال الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع برئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية اللبنانية. ليس لأن التواصل بين الشخصيات السياسية أمر غير مألوف، بل لأن الأعراف الدبلوماسية في العلاقات بين الدول تقوم أساساً على القنوات الدستورية والمؤسسات الرسمية للدولة. فالعلاقات الخارجية تُدار عادة عبر الحكومات ووزارات الخارجية والرئاسات، لا عبر خطوط حزبية مباشرة.

 

وفي بلد عانى طويلاً من تداخل السياسة الداخلية مع التأثيرات الإقليمية، يصبح أي تواصل من هذا النوع مادة للنقاش السياسي. فلبنان عرف في مراحل سابقة ما يشبه الدبلوماسية الموازية التي مارستها أحزاب وقوى سياسية خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، حين تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.

 

على أيام النظام السوري السابق، كان السياديون اللبنانيون يفتعلون معارك سياسية كبيرة، من بينها ما يتعلق بتبادل السفارات بين البلدين، بهدف فرض شروطهم ومواقعهم في العلاقات الدبلوماسية. أما اليوم، فقد أصبحت أسماء السياسيين الذين سجلوا حضورهم أو نواياهم للقاء أحمد الشرع بالدزينات، مما يوضح حجم الاهتمام والقلق الذي يحيط بأي اتصال سياسي جديد.

 

غير أن حساسية هذا الاتصال لا تنبع فقط من طبيعته السياسية، بل من الذاكرة التاريخية المرتبطة باسم العائلة. فقد طلب آل الجميل سابقاً من السلطات السورية التدخل لدعم مواقعهم والسيطرة على الفلسطينيين داخل لبنان، واليوم يعود المشهد مع العائلة نفسها، لكن هذه المرة عبر سامي أمين الجميل، ما يذكر اللبنانيين بالمسار التاريخي ذاته ولكن في سياق سياسي مختلف.

 

ومع انتخاب أمين الجميل رئيساً للجمهورية، دخل لبنان مرحلة شديدة التعقيد من تاريخه، حيث تداخلت الحسابات الداخلية مع الصراعات الإقليمية، وكان الدور الذي لعبته سوريا آنذاك جزءاً أساسياً من معادلة الصراع والتوازنات في البلاد.

 

اليوم، وبعد عقود على تلك الأحداث، يبدو أن التاريخ يعود ليطلّ من زاوية مختلفة. فالاتصال بحد ذاته قد يكون تفصيلاً سياسياً عابراً، لكن في لبنان لا تُقرأ الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي. فالذاكرة السياسية في هذا البلد حساسة إلى درجة تجعل أي خطوة خارج الإطار التقليدي للعلاقات السياسية محل قراءة وتحليل.

 

لكن، وعلى الرغم من كل ما قد يثيره الحدث من مقارنات تاريخية وتساؤلات سياسية، يبقى واقع أساسي لا يمكن تجاهله: لبنان اليوم ليس لبنان الأمس. فالبلاد التي خرجت من سنوات الحرب الطويلة حملت معها دروساً قاسية، وولدت فيها قوى وطنية عديدة ناضلت وضحّت وقدمت الشهداء دفاعاً عن بقاء لبنان عزيزاً موحداً في وجه العواصف.

 

هذه التجربة جعلت الوعي الوطني أكثر حساسية تجاه أي مسار قد يعيد البلاد إلى صراعات الماضي. فالتوازنات الداخلية تبدلت، كما أن قوى سياسية وشعبية واسعة ترى أن حماية لبنان واستقراره وسيادته هي مسؤولية جماعية لا يمكن التفريط بها.

 

ولذلك، فإن اللبنانيين الذين دفعوا أثماناً باهظة في تاريخهم الحديث يدركون اليوم أن بلدهم لم يعد ساحة مفتوحة كما كان في الماضي، وأن هناك منعة وطنية تشكلت عبر سنوات طويلة من النضال والتضحيات، تجعل العودة إلى زمن الانقسامات الكبرى أمراً أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق.

 

في النهاية، قد يكون الاتصال مجرد تفصيل سياسي عابر في مشهد إقليمي معقد، وقد يحمل رسائل سياسية لم تتضح بعد. لكن في لبنان، حيث التاريخ لا يغيب عن الوعي الجماعي، يبقى السؤال الذي يتردد في الأذهان مع كل حدث جديد:

 

هل يتعلم اللبنانيون من تاريخهم… أم أن التاريخ ما زال يحاول أن يكتب فصوله من جديد في هذا البلد؟

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram