كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
ليس تبرير تعيين غراسيا القزي من قبل رئيس الحكومة القاضي نواف سلام مجرد زلّة قانونية، بل مقاربة خطيرة تضرب أسس الإدارة العامة في أي دولة تحترم نفسها. فالقول إن «عدم صدور حكم قضائي» يجيز التعيين هو تبسيط مخلّ، واستخدام انتقائي لقرينة البراءة خارج سياقها الطبيعي.
قرينة البراءة وُجدت لحماية الأفراد من التعسّف القضائي، لا لتحويلها إلى مظلّة سياسية تشرعن تعيينات في مواقع عامة حسّاسة. ثمة فرق جوهري بين مواطن عادي يُفترض بريئًا حتى تثبت إدانته، ومسؤول عام يُفترض أن يكون فوق الشبهات لا في قلبها.
عندما يكون الشخص مدعى عليه، فهذا يعني أن هناك شبهات جدّية دفعت القضاء إلى فتح ملف وملاحقة، لا مجرد اتهام إعلامي أو خصومة سياسية. وفي الدول التي تحترم مؤسساتها، هذه الشبهة وحدها كافية لتجميد أي تعيين، لا لتسويغه.
الأخطر أن السوابق الإدارية في لبنان نفسها تنقض هذا التبرير. ففي حالات عديدة، عندما يكون الموظف العام ملاحقًا أو مدعى عليه، يُصار إلى وضعه بالتصرّف أو تعليق مهامه مؤقتًا، لا كعقوبة بل كإجراء احترازي يحمي نزاهة التحقيق وسمعة المرفق العام وثقة الناس بالدولة.
فإذا كان الموظف القائم يُبعد مؤقتًا عند قيام الشبهة، فكيف يُصار إلى تعيين شخص جديد وهو في موقع ادعاء قضائي؟ أي منطق إداري هذا؟ وأي معيار يُطبّق؟
المنطق السليم بسيط: لم يكن المطلوب إدانة الشخص، بل الانتظار. انتظار قرار واضح—حفظ، منع محاكمة، أو براءة—عندها فقط يمكن الحديث عن قرينة براءة مكتملة الأركان، لا قرينة مفترضة بالقوة.
ما حصل قلبٌ للمعادلة: بدل أن يحمي المنصب هيبة الدولة، جرى استخدام الدولة لحماية التعيين. وبدل أن تكون العدالة شرطًا للثقة، صارت الثقة بديلاً عن العدالة. إنها ازدواجية معايير تفتح الباب أمام سابقة خطيرة: تحويل المنصب العام إلى مساحة مخاطرة، لا مساحة ثقة.
ليست كل التعيينات أخطاء؛ بعضُها رسائل.
وهذه الرسالة تقول إن معيار النزاهة لم يعد شرطًا مسبقًا،
بل تفصيلاً يمكن تأجيله… أو تجاهله.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :