ملاحظات مبدئيّة حول تعيين كبار الموظفين في لبنان: كسب الثقة العامّة أوّلا

ملاحظات مبدئيّة حول تعيين كبار الموظفين في لبنان: كسب الثقة العامّة أوّلا

 

Telegram

 

في لبنان، لم تعدْ مسألة تعيين كبار الموظّفين المدنيّين مسألة تقنيّة أو إداريّة محايدة: إنها معركة سياسية حول معنى الدولة نفسها. ففي بلدٍ تآكلت فيه الثقة بالمؤسسات نتيجة الانهيار المالي، وتعطّل الخدمات العامة، واستفحال الزبائنيّة، تتحوّل التعيينات في الفئات العليا إلى اختبار حقيقيّ: هل ما زالت الدولة أسيرة التوازنات والمُحاصصات، أم قادرة على إنتاج قيادة إداريّة تحظى بثقة المجتمع؟ 

 

صحيح أن قرينة البراءة مبدأ راسخ في دولة القانون، لكن استخدامها معيارا لتبرير تعيين في أحد المناصب القيادية المرتبطة بواحدة من أكثر التجارب قسوة التي عرفها لبنان يشكل اختزالًا خطيرًا لفكرة المسؤوليّة العامّة. فلبنان لا يعاني من فائض العدالة القانونية بقدر ما يعاني من عجز سياسيّ وأخلاقيّ في القيادة، وكبار المسؤولين ليسوا مجرد موظفين؛ إنهم واجهة الدولة أمام مواطنيها وشركائها الدوليين. هم من يديرون المال العام، ويوقّعون القرارات المصيرية، ويحدّدون اتجاه السياسات. لذلك، فإن معيار تعيينهم لا يمكن أن يكون “لم يُدان بعد”، بل يجب أن يكون: هل يثق بهم النّاس؟ هل يحترمونهم؟ وهل يجسّدون نزاهة الدولة؟

 

الحوكمة الرشيدة: من النظريّة إلى الواقع اللبنانيّ 

تؤكد مبادئ منظّمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) وكافة الأدبيّات الأكاديمية أن الحكم الرشيد يقوم على الشفافيّة، والكفاءة، والمساءلة، والنزاهة. وبناءً عليها، يتمّ اختيار كبار الموظّفين على أساس الكفاءة المهنيّة والاستحقاق، والسلوك الأخلاقي المثبت في المسار المهني، والاستقلالية عن التأثير السياسيّ أو المصالح الخاصّة، إضافة إلى القدرة على كسب ثقة الجمهور، والالتزام بالمصلحة العامّة فوق المصالح الشخصيّة. لكن في لبنان، كثيرًا ما تحوّلت هذه المبادئ إلى شعارات تُستحضر في التقارير الدولية وتُهمل في الممارسة السياسية. 

 

في التجربة اللبنانية الأخيرة، رأينا تعيينات في مؤسسات حساسة تمّت على أساس التوازنات الطائفية لا الكفاءة، أو نتيجة تسويات سياسية بين القوى النافذة، أو عبر تمرير أسماء مثيرة للجدل بحجة “عدم وجود حكم قضائي نهائي”. هذه المقاربة تُفرغ قرينة البراءة من معناها الأخلاقي، وتحوّلها إلى درع سياسي لتكريس المحاصصة بدل أن تكون ضمانة للحقوق الفردية. 

 

من منظور الحوكمة، لا يكفي أن يكون المرشح غير مدان؛ يجب أن يكون قادرًا على تعزيز ثقة الجمهور بالدولة. وفي لبنان تحديدًا، حيث الثقة شبه منهارة، فإن أي تعيين لا يستعيد جزءًا من هذه الثقة هو تعيين فاشل سياسيًا حتى لو كان سليمًا قانونيًا. 

 

الثقة والشرعية: الدرس النظري الذي تجاهلته السياسة اللبنانية 

ميّز ماكس فيبر بين سلطة القانون والشرعيّة الاجتماعيّة، مؤكّدًا أنّ قوّة السّلطات العامّة تتعاظم عندما تستند إلى القانون وتُحصّن بالمقبوليّة المُجتمعيّة. وتُظهر أبحاث الحوكمة الحديثة، أن تآكل الثقة العامة في الدّولة لا ينعكس فقط في شكل احتجاجات أو رفض سياسيّ مباشر، بل ينتج عنه تراجعٌ أعمق في علاقة المواطنين بالمؤسسات. فعندما تتلاشى الثقة العامة في الدولة، يضعف الالتزام الطوعيّ بالقوانين، ويزداد ميل الأفراد إلى التعامل مع الدولة كخصم لا كشريك، ما يؤدّي إلى عزوف متزايد عن التعاون معها، وانكفاء المواطنين إلى حلول فردية أو غير رسمية بدل الانخراط في الأطر العامة التي يفترض أن تنظّم الحياة المشتركة. من هذا المنطلق، تكون قرينة البراءة ضروريّة في المحاكم، لكنها لا تكفي عند مقاربة ملفّ التعيينات في المناصب القيادية. 

 

المعيار الأهمّ من حكم: “غير مذنب” هو معيار “الثقة”. ليس كافيًا أن يكون المسؤول صادقًا، بل يجب أن يُنظر إليه على أنّه صادق.  في لبنان، كثير من المسؤولين يمتلكون “شرعية قانونية” لكن يفتقرون إلى “شرعية اجتماعية”. وهذا يفسر لماذا تبقى الدولة ضعيفة حتى عندما تصدر قرارات “قانونية”. 

 

لماذا يجب أن يتقدّم معيار الثقة على معيار البراءة في التعيينات اللبنانيّة؟ 

في لبنان، كبار الموظّفين ليسوا إداريّين فقط: هم لاعبون سياسيّون بحكم الواقع. في أيديهم سلطاتٌ واسعة جدّا في إدارة الموارد العامة والإنفاق وصياغة السياسات والتأثير على الأولويّات الوطنيّة. قراراتُهم تُحدِّد من يستفيد من المال العامّ، ومن يحصل على الخدمات ومتى، ومن يتحمّل كلفة الأزمات. لهذا، فإن دورهم سياسيّ بامتياز حتى ولو لم ينتموا إلى حزب سياسي، وهم في الوقت نفسه صورة الدولة نفسها: عندما يشكّ المواطن في مصداقية المسؤول، يصبح الشك موجهًا إلى الدولة ككلّ. علاوة على ذلك، هم من يصنعون ثقافة الإدارة. وبالتالي، فإن تعيين شخصيّات مثيرة للجدل يرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب ويضعف الالتزام بالقيم المؤسسية. 

 

لكلّ هذه الاسباب يجب أن تكون الثقة معيارًا وقائيًا لا انتظاريًا؛ لا ننتظر حكمًا قضائيًا فتصبح قرينة البراءة ذريعة سياسية بدل أن تكون ضمانة حقوقية، بل نُقدّم معيار النزاهة لمنع الضرر السياسي مسبقًا. 

 

بعبارة صريحة، في لبنان يجب أن يأتي السجل الأخلاقي أولًا، قبل السجل العدلي.

 

خاتمة 

تبقى قرينة البراءة ركيزة لا غنى عنها في دولة القانون، لكن، في الوطن الذي يعاني بصمت تحت وطأة الأزمات والزبائنية والفساد، لا يمكن إعادة البناء عبر تعيينات “قانونية الشكل” و”سياسية الجوهر”. 

 

الدولة التي تختار قادتها فقط لأنهم “غير مدانين” تخاطر بتجريد نفسها من الشرعية. أما الدولة التي تختار قادتها لأنهم أكفاء، نزيهون، وجديرون بثقة الناس فهي وحدها القادرة على استعادة هيبة مؤسساتها وبناء إدارة عامة قادرة. 

 

النقاش ليس أكاديميا أو نظريا، بل معركة على معنى الدولة في لبنان: إما دولة محاصصة تُدار بقرينة البراءة، أو دولة مواطنة تُدار بمعيار الثقة والنزاهة.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram