المقاومة تحمي لبنان وسلاحها سياج الوطن

المقاومة تحمي لبنان وسلاحها سياج الوطن

جاء في عناوين نشرة إخبارية بثتها إحدى القنوات الفضائية العربية المطبّعة مع العدوّ الصهيوني ما مضمونه، “سلاح حزب الله عبء على لبنان وبيئته.. و”إسرائيل” تنفذ غارات جديدة في الجنوب”.. عنوان خبري على إيجازه ولكنه يختصر قضية التناقضات السياسية كلّها التي يشهدها لبنان، ويطرح الإشكالية الجوهرية التي تعاني منها الدولة والكيان والمؤسسات على مستوى التعريف والمبدأ والممارسة، كما يظهر الهوّة الكبيرة الآخذة بالاتّساع بين منظومة الحكم وبين شريحة كبرى من الشعب اللبناني اختارت نهج المقاومة دفاعًا عن الأرض والإنسان في وقت تنصّلت الدولة وما زالت من مسؤولياتها الأساسية في حماية شعبها وتوفير أمنه وأمانه على قاعدة التساوي في الحقوق والواجبات وتعزيز المواطنة والانتماء الوطني.

 

Telegram

لم تخطئ القناة في صياغة هذا العنوان، ولم يحتج المحرّر إلى توجيه تركيبة الخبر دعائيًا في محطة دأبت على تجميل صورة العدوّ وفتحت أبوابها أمام الصهاينة ليغزوا أرضها وشعبها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وتعمل على التسويق للاحتلال والتطبيع والترويج للديانة الترامبية ومحاربة قوى المقاومة ولا سيّما في فلسطين ولبنان واليمن.

ولكن المسألة هنا تتعلق بكيفية استيعاب المضمون من طرفين متناقضين.

ولئن كان الخبر يوحي بوجود توافق بين الموقف اللبناني الرسمي وبين الموقف “الإسرائيلي” بشأن سلاح المقاومة، إلا أن الأخطر في الرسالة هو في تظهير المضمون وكأن العدوان “الإسرائيلي” جاء تلبية ميدانية للموقف اللبناني بحيث تقوم “إسرائيل” بفعل ما لا يقدر لبنان على فعله للتخلّص من سلاح المقاومة، وهذا ما تكرّر وما زال على ألسنة مروّجي مشروع الاستسلام للعدو من جماعة “القوات اللبنانية” وكسبة السفارة الأميركية في عوكر، وعلى رأسهم وزير خارجية جعجع يوسف رجّي.

لم يوفّر هؤلاء منصة إعلامية إلا واعتلوها سعيًا لتثبيت مقولاتهم وتسويغ مواقفهم الداعية إلى تسليم السلاح، بادّعاء أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تلا حرب أيلول 2024 العدوانية على لبنان جاء “لصالح إسرائيل”، وأنه نصّ على “أنه طالما لم يتم حصر السلاح نهائيًا، فإن لـ”إسرائيل” الحق باستكمال اعتداءاتها وفق الاتفاق”.

وهذا الزعم الواهي الذي يسوّقه رجي يهدف إلى إيهام الناس بأن “إسرائيل” محقّة بما تقوم به من ارتكابات بل يسوّغ لها جرائمها بحق لبنان واللبنانيين، والحقيقة عكس ذلك تمامًا، فليس صحيحًا أن الاتفاق نصّ على حصر وتسليم السلاح مقابل وقف الاعتداءات “الإسرائيلية”، كما ليس صحيحًا أن الولايات المتحدة الأميركية تدعم الدولة اللبنانية والجيش، بل هي تمنع تسليح الجيش للدفاع عن لبنان وحمايته وتدعم العدوّ وتغطّي اعتداءاته بلا حدود وتضغط على الدولة لدفعها إلى تقديم التنازلات المتتالية خدمة للعدو، وليس صحيحًا أن السلاح بات عبئًا على لبنان، فهذا السلاح الذي حرّر الأرض في العام 2000 وفّر مظلة الحماية للوطن على مدى 18 عامًا، ومذ تركت المقاومة المجال لمدّعي السيادة السعي إلى تحرير الأرض والأسرى وتأمين الحماية بالسياسة والدبلوماسية اندفع العدوّ أكثر في استباحة أرضنا وبحرنا وسمائنا وانتهاك سيادتنا، وهكذا يكون السلاح حمى الوطن فيما البكاؤون على أعتاب الأميركيين هم العبء الأكبر على الوطن ومصالحه وسيادته.

لا شكّ في أن الدولة بقواها المسلّحة هي المسؤولة عن أمن وحماية المواطنين على كافة مساحة الأراضي اللبنانية، وصحيح أن سلاح المقاومة وجد في وقت ما من أجل مهمّة معيّنة وفي ظرف معيّن نتج عن وجود الاحتلال وإمعانه في العدوان على لبنان ودول المنطقة كلّها، في وقت لم تكن الدولة بمؤسساتها السياسية والعسكرية قادرة على التصدّي أو تمتلك جرأة إعلان الموقف بالرفض والمواجهة، ولكن هل انتفى سبب وجود المقاومة لينتفي دورها ودور سلاحها!؟ وهل تستطيع الدولة اليوم القيام بهذا الدور على أكمل وجه كما يفترضه العقل والتعقّل!؟ وهل تملك الدولة أن تحوّل مطالباتها الدبلوماسية إلى إجراءات ملزمة للعدو وفق ما تقتضيه القرارات الدولية ومنطق السيادة الوطنية للدول!؟

إن القوى العسكرية للدول غالبًا ما تأتمر بقرار سياسي رسمي وبتوجيهات المنظومة الحاكمة، وإذا سلّمنا أن الجيش اللبناني لم يكن موجودًا في واحدة من أكثر الحقبات الزمنية قتامة في تاريخ لبنان، فهذا يعني أنه لم يكن هناك وجود لأي سلطة لبنانية آنذاك، أو أنها كانت فاقدة الصلاحية والأهليّة في إعطاء الأوامر للجيش للقيام بدوره في حماية الوطن، وهذا ما كان حاصلًا قبل الاجتياح “الإسرائيلي” عام 1982 وخلاله وبعده، حيث لم تقم السلطة بواجباتها في استنفار القوى الأمنية اللبنانية للدفاع عن لبنان أرضًا وشعبًا ومؤسسات، بل إن عددًا من ضباط الجيش نفذوا انقلابًا على الدولة أمثال سعد حداد وانطوان لحد وعقل هاشم والتحقوا بالعدو الصهيوني وأسّسوا ميليشيات معادية خارجة عن الشرعية اللبنانية، وعلى الرغم من ذلك بقوا يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة بدل طردهم ومحاكمتهم بتهمة الخيانة الوطنية، وحين انقلبت الدولة آنذاك على نفسها وشرّعت الخيانة في اتفاق 17 أيار انتفض الشعب وألزم هذه الدولة بإلغاء القرار فيما كانت المقاومة تواجه الاحتلال وتحرّر الأرض.

وما يدعو للأسف أن الجيش آنذاك توّلى بأمر من السلطة الحاكمة مهمّة “تنظيف” بيروت ومحيطها من السلاح الذي كان لدى المقاومة الفلسطينية والأحزاب الوطنية بعد قيام العدوّ بقصف بيروت وحصار أهلها وتجويعهم ومنع دخول المقوّمات الحياتية إليهم، ولم تكن هذه المهمّة سوى ترجمة لموقف سياسي اتّخذته الدولة آنذاك وقضى بتسليم لبنان إلى “إسرائيل” بذريعة تغيّر الظروف الإقليمية والدولية وضرورة التعقّل والأخذ بمنطق التسليم بالأمر الواقع وفق المقولة العجائبية “قوة لبنان في ضعفه”، وأسست الدولة آنذاك قراءتها الاستسلامية على هزيمة المقاومة الفلسطينية وترحيل مقاتليها وطغيان الموقف الأميركي وتواطؤ القرار العربي وانحسار الدور السوري وعدم القدرة على المواجهة، إلا أن السلاح آنذاك على تواضعه وقلّته تمكّن من طرد العدوّ من بيروت ومن ثمّ دحره إلى الجنوب وصولًا إلى التحرير في أيار عام 2000.

إن الحديث عن أن السلاح أصبح عبئًا على لبنان وعلى بيئته يكشف جانبًا من أشكال الصورة النمطية التي يسعى مروّجو ثقافة الهزيمة ترسيخها من خلال الإعلام، وهو مرتبط بمقولة أخرى تدّعي أن نزع السلاح هو مطلب الشعب اللبناني، يضاف إليها تعبير “البعض” و”الطرف الآخر”، وتكرار هذه التعابير والمصطلحات يدلّ على أنها لم تُطلق على عواهنها أو يمكن تصنيفها زلة لسان بل هي مقصودة لتصوير فئة من اللبنانيين على أنهم طارئون على الدولة، أو أنهم ينتمون إلى طائفة دخيلة، أو أنهم يشغلون بقعًا جغرافية ليست محسوبة من ضمن الخارطة الرسمية المعتمدة للبلد بمساحة 10452 كلم2، ويندرج أيضًا في هذا السياق الدعوة “للعودة إلى الدولة”.

فهل المقاومة وبيئتها خارج الدولة ليعودوا إليها!؟ وهل ما يقومون به من فعل صمود ومواجهة ومقاومة الاحتلال يتعارض مع منطق الدولة أو شروط قيامها وسيادتها واستمرارها!؟ أم أن تعريف الدولة أصبح مبنيًّا على ميزات ومواصفات مختلفة عما قبل، فأصبحت الدولة فقط عبارة عن آليات عمل تضبطها الوزارات المعنية وأمن داخلي يقمع مخالفات السير!؟ وحتّى لو اعتمدنا هذا المنطق في قوة الدولة فإن لائحة طويلة من المطالب ما تزال الدولة مقصّرة في معالجتها وفي طليعتها محاربة الفساد والفاسدين وتأمين مقوّمات العيش الكريم للشعب بشكل عام، فكيف بهذه الدولة وهي حتّى اليوم لم تقم بأي إجراء ملموس في إعادة إعمار ما هدمه العدوان الصهيوني في الجنوب والضاحية والبقاع وكذلك تحرير الأسرى وإلزام العدوّ بالانسحاب من الأراضي اللبنانية التي يحتلها!؟ وكيف سيقوم الجيش اللبناني بحماية الشعب فيما “إسرائيل” تواصل عدوانها اليومي بحق لبنان دون وازع أو رادع وتحظى بغطاء ودعم أميركي مباشر فيما الدولة اللبنانية عاجزة عن وضع حد لهذا العدوان حتّى بالبكاء عند أبواب واشنطن!؟

إن السلاح لم يكن يومًا عبئًا على لبنان كله وعلى بيئة المقاومة خصوصًا، فهو اقترن بالدماء التي حمت الوطن وحرّرت أرضه، والمقاومة ليست طرفًا آخر أو بعضًا بل هي من صلب النسيج الوطني الحقيقي الذي ضحى إلى جانب الجيش اللبناني من أجل حماية لبنان، كما أن مهمّة هذا السلاح لم تنته بل تكرّست شرعيته وضرورته في ضوء المخاطر الجمّة التي تتهدّد لبنان كله بكيانه ووجوده؛ أما الادّعاء بأنه فشل في ردع العدوان فهو يشكّل عامل إدانة للدولة التي يجب عليها اليوم، كما كان واجبها على أكثر من أربعين عامًا من المقاومة، أن تقف مع شعبها الذي دفع وما يزال الغالي والنفيس من أجل حماية أرضه وعرضه لتبقى الدولة اللبنانية وسيادتها وقرارها المستقلّ عن الإملاءات الأميركية والهيمنة “الإسرائيلية”.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram