كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في خضمّ المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها لبنان والمنطقة، تبرز الحاجة إلى قراءة سياسية متماسكة لما يجري، قراءة تستند إلى الوقائع والمعطيات وتستفيد من المواقف المعلنة للقوى الأساسية في البلاد. وفي هذا السياق، تشكّل المواقف التي عبّر عنها الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد إطارًا مرجعيًا لفهم طبيعة المرحلة وتوصيف التحديات التي تواجه لبنان اليوم.
وفق هذه المقاربة، لا يمكن التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد سلسلة من الردود المتبادلة، بل هو في جوهره مواجهة مع عدوان إسرائيلي قائم على لبنان. فالمشهد يتجاوز حدود الاشتباكات الظرفية ليعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض اللبنانية، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
ومن هنا، يصبح خيار الصمود والمواجهة، إلى جانب الوحدة الوطنية، الخيار الواقعي الوحيد القادر على حماية لبنان وسيادته ومنع العدو من تحقيق أهدافه.
في هذا السياق، تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الدستورية والحكومية، في العمل على حماية السيادة والدفاع عن المواطنين. فالمرحلة الراهنة لا تحتمل الانقسامات الداخلية أو الحسابات الضيقة، بل تتطلب تضافر الجهود السياسية والوطنية من أجل وقف العدوان ومنع إسرائيل من فرض معادلات جديدة على حساب لبنان.
إن حماية البلاد ليست مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية وطنية شاملة تتطلب تنسيقًا بين الدولة ومختلف القوى السياسية، بما يضمن تثبيت الحقوق اللبنانية وصون أمن المواطنين.
على المستوى الإعلامي والسياسي، يبرز عنصر أساسي يتمثل في طمأنة اللبنانيين والدعوة إلى التكاتف والصبر. فالشعب اللبناني، بكل مكوّناته، يقف اليوم في موقع الدفاع عن وطنه، في مواجهة اعتداءات تستهدف الأرض والإنسان على حد سواء.
ومن هنا، يصبح الخطاب الوطني الجامع ضرورة ملحّة، لأن أي تراجع أو انقسام داخلي لن يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف اللبناني، في حين أن الصمود والوحدة يشكّلان الركيزة الأساسية لحماية البلد.
وتعزّز هذه القراءة السياسية ما صدر عن مسؤولين إسرائيليين أنفسهم، الذين أقرّوا بأن إسرائيل كانت تعمل على التحضير لعملية استباقية واسعة ضد لبنان. هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن مجريات الأحداث الحالية، إذ توضح أن المواجهة القائمة ليست وليدة اللحظة، بل تأتي في سياق خطة كان يجري إعدادها مسبقًا.
وبذلك، يظهر أن ما يجري اليوم هو جزء من مواجهة لإحباط عدوان كان يُحضَّر له، وليس مجرد تصعيد عابر.
أما في ما يتعلق بالتساؤلات التي تُطرح أحيانًا حول توقيت المواجهة أو سبب عدم حصول الرد في مراحل سابقة، فإن الإجابة تكمن في طبيعة الصراع مع إسرائيل. فبناء التوازن مع العدو لا يتم بشكل اعتباطي، بل يحتاج إلى ظروف ومعطيات مناسبة تتيح تحقيق أقصى فعالية ممكنة.
ومن هذا المنطلق، فإن اختيار توقيت المواجهة جاء في إطار السعي إلى منع ضربة إسرائيلية واسعة كان يجري التحضير لها، ما يجعل ما حدث جزءًا من معادلة ردع تهدف إلى حماية لبنان ومنع العدو من فرض معادلاته بالقوة.
إلى جانب العوامل الداخلية، لا يمكن إغفال تأثير المتغيرات الإقليمية في مسار الأحداث. فالمنطقة تشهد تحولات متسارعة في ظل المواجهة المفتوحة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وفي ظل الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل على أكثر من جبهة، قد يفتح الظرف الإقليمي الراهن نافذة سياسية يمكن استثمارها لدفع العدو نحو وقف العدوان والالتزام بوقف إطلاق النار.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو أولويات المرحلة واضحة: وقف العدوان الإسرائيلي، انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، عودة الأسرى، وتوفير الحماية لكل مواطن لبناني.
كما تبرز ضرورة منع تكرار ما حصل بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 حين تعرّضت القرى الحدودية لاعتداءات متكررة وعمليات تدمير واستباحة، ورفض أي محاولة لمنح العدو حرية الحركة داخل لبنان أو تبرير اعتداءاته بذريعة تفاهمات مزعومة مع الولايات المتحدة.
في خضمّ هذه المواجهة المفتوحة، يبرز دور المؤسسة العسكرية اللبنانية كعامل استقرار أساسي. فالجيش اللبناني، بقيادته وضباطه وجنوده، يثبت مرة جديدة أنه صمام أمان الوطن، يقف على تماسّ مع الخطر ويحافظ على تماسك الدولة في أكثر المراحل حساسية، ويجسّد المعنى الحقيقي للوحدة الوطنية التي يحتاجها لبنان اليوم.
غير أن الصورة لا تكتمل من دون التوقف عند ثغرة مؤلمة في الأداء الرسمي، تتمثل في تقصير الحكومة في التعامل مع ملف النازحين الذين اضطروا إلى ترك قراهم بفعل الاعتداءات. فالمواجهة مع العدوان لا تقتصر على الجبهة العسكرية، بل تشمل أيضًا الجبهة الإنسانية والاجتماعية، حيث يصبح تأمين المأوى والرعاية للنازحين جزءًا من معركة الصمود نفسها.
إن ترك المواطنين لمصيرهم، أو الاكتفاء بانتظار مساعدات خارجية مشروطة، لا ينسجم مع مسؤولية الدولة ولا مع حجم التحدي القائم. فالدولة التي تريد الدفاع عن سيادتها مطالبة أولًا بحماية شعبها، لأن كرامة الناس وأمنهم الاجتماعي يشكّلان الخط الأمامي في أي مواجهة وطنية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :