تُطرح العودة الطوعية للاجئين السوريين في لبنان بوصفها أحد الخيارات المطروحة لمعالجة ملف طويل ومعقّد، تتداخل فيه الاعتبارات الإنسانية، السياسية، والاقتصادية. غير أن تقييم واقعية هذا الطرح يتطلّب التوقف عند ما هو متوافر من بيانات رسمية، لفهم حجم العودة، أشكالها.
بحسب المعطيات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجّلين في لبنان نحو 700 ألف شخص، فيما يُقدَّر العدد الإجمالي، بما يشمل غير المسجّلين، بنحو مليون سوري. ويشير هذا الفارق إلى وجود شريحة واسعة خارج أنظمة التسجيل، ما يحدّ بطبيعته من القدرة على تتبع أوضاعها، سواء لناحية الحماية أو لناحية العودة.
في هذا السياق، تُظهر بيانات المفوضية أن لبنان شهد منذ 8 كانون الأول 2024، أي بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، دخول أكثر من 112 ألف شخص. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن نحو 100 ألف من هؤلاء تلقّوا مساعدات أساسية من دون إدراجهم ضمن سجلات اللاجئين. ما يعني أنّ التصنيف الإداري قد يُنتج فئات يصعب إدخالها لاحقًا في سياسات واضحة للعودة أو البقاء.
بين العودة الطوعية و«المفترضة»
على صعيد حركة العودة، تفيد وثائق المفوضية بأن 379,103 سوريين أُزيلت قيودهم من سجلاتها في لبنان خلال عام 2025، نتيجة عودة مؤكدة أو عودة مفترضة. وتوضح المفوضية أن العودة المفترضة تُسجَّل في حالات انقطاع التواصل مع اللاجئ أو عدم تجديد مستنداته، وهو إجراء إداري يُستخدم في ظل صعوبة التتبع الفردي ضمن حركة سكانية واسعة وعابرة للحدود.
في المقابل، تشير بيانات برنامج العودة الطوعية المدعومة من المفوضية إلى أن نحو 45,195 شخصاً خضعوا لتقييمات العودة الطوعية المنظمة خلال الفترة نفسها. وتشكل هذه الحالات نسبة محدودة من إجمالي من أُزيلوا من السجلات، فيما تُصنَّف الغالبية ضمن إطار العودة التلقائية أو العفوية، وهي فئة واسعة تشمل أنماطاً مختلفة من الحركة، بعضها يتم بمبادرة فردية وبعضها الآخر في ظل ضغوط معيشية أو إدارية.
في ما يتعلّق بالدعم المالي، توضّح المفوضية أن من يختار العودة من لبنان يمكنه الاستفادة من منحة نقدية للعودة بقيمة 100 دولار أمريكي لكل فرد عائد تُقدَّم في لبنان، إضافة إلى خيارات نقل، سواء بتنظيم ذاتي أو عبر ترتيبات مدعومة في حالات محدودة. كما تشير المفوضية إلى أن بعض العائدين قد يكونون مؤهلين للحصول على مساعدة نقدية إضافية داخل سوريا لدعم إعادة الاندماج، حيث يمكن أن تحصل الأسر الأكثر ضعفاً على مبلغ يصل إلى 600 دولار أميركي لكل أسرة.
المساعدة المالية ليست للجميع
غير أن المفوضية لفتت إلى أن هذه المساعدة الإضافية ليست مضمونة لجميع العائدين، وأن توفيرها مرتبط بقدرات المفوضية داخل سوريا، وبمعايير الاستهداف والتمويل المتاح. وبذلك، لا يمكن التعامل مع مبلغ 600 دولار كعنصر ثابت في مسار العودة، بل كإمكانية مشروطة تُمنح لفئات محددة فقط.
وتبرز هنا مسألة إضافية تتعلق بتقييم العودة المستدامة. فبينما تشير المفوضية إلى دعم إداري يشمل تسجيل الولادات واستخراج الشهادات المدرسية، لا تتوافر في البيانات المنشورة مؤشرات تفصيلية حول أوضاع العائدين بعد فترات زمنية لاحقة، مثل الوصول إلى السكن أو فرص العمل أو الخدمات الأساسية. ويحدّ غياب هذا التتبع الزمني من القدرة على تقييم أثر المساعدات، سواء تلك المقدّمة في لبنان أو المحتملة داخل سوريا، على استقرار العائدين على المدى المتوسط.
وفي سابقة تعتبر الأولى منذ بدء أزمة النزوح، أعلن الأمن العام اللبناني مغادرة أكثر من نصف مليون نازح سوري بطريقة آمنة ومستدامة خلال عام 2025، ما يشير إلى أنّ العودة الطوعية للسوريين من لبنان إلى بلادهم شهدت نشاطاً لافتاً خلال العام الفائت.
الجدير ذكره أنّه في إطار إعداد هذا التقرير، جرت محاولة للتواصل مع حنين السيد، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعضو في اللجنة الوزارية المعنية بمتابعة ملف العودة، إلا أن التواصل تعذّر بداعي السفر، وفق ما أفادت به مساعدتها. ويأتي ذلك في سياق ملف تتداخل فيه أدوار الدولة اللبنانية مع عمل المنظمات الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بجمع البيانات وتنفيذ البرامج.
بصورة عامة، تُظهر المعطيات المتاحة أن حركة عودة السوريين من لبنان إلى سوريا قائمة وملحوظة من حيث الحجم، لكنها متعددة الأشكال والمسارات. وبينما توفّر برامج العودة الطوعية إطارًا منظّمًا لشريحة من العائدين، تبقى شريحة أخرى كبيرة خارج هذا الإطار، سواء بسبب عدم التسجيل أو بسبب صعوبة التتبع. كما أن الدعم المالي المرتبط بالعودة، رغم أهميته، يبقى جزئيًا ومشروطًا، ولا يتيح وحده الحكم على مدى استدامة العودة. وعليه، فإن تقييم واقعية ”العودة الطوعية“ كخيار عام يتطلّب التعامل بحذر مع الأرقام، والتمييز بين أنواع العودة المختلفة، وقراءة البيانات بوصفها مؤشرات على واقع معقّد، لا كصورة مكتملة بحد ذاتها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :