يعتبر العنف أمراً غير محبّذ بذاته في الثقافة العربية المعاصرة، بأغلبية تياراتها، بما في ذلك القومية المتطرّفة، والإسلامية، واليسارية، رغم كثرة الممارسات العنيفة، التي ترقى أحياناً إلى درجة الإبادة الجماعية. لا يوجد طرف سياسي أو أيديولوجي اعتبر نفسه عنيفاً جوهرياً، أو يولي قيمة خاصة للعنف، ربما باستثناء تنظيمات جهادية مثل «القاعدة» و»الإخوان المسلمين»، خاصة في مراحلهم المبكّرة، وكذلك نظام صدام حسين.
وكل هذه الأطراف اعتمدت على مرجعيات متعددة، منها مثلاً الآية 60 من سورة الأنفال «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم». إلى درجة تسمية صدام لحملته ضد كردستان العراق عام 1988 بـ»الأنفال».
إلا أن هذه الممارسات لم تترافق مع تنظير فعلي عن العنف، الذي اعتُبر غالباً مجرد تنفيذ لأمر إلهي، أو ردة فعل على عنف العدو، أو دفاعاً عن الوطن والأمة، أو أي «قضية عادلة» أخرى. الأطراف التي تحدّثت عن «عنف ثوري»، أو حتى «حرب تحرير شعبية»، مثل منظمة التحرير الفلسطينية، وبعض المجموعات اليسارية، نقلت غالباً شعارات وتنظيرات يسارية معروفة، مستمدة من الماوية، والحرب الفيتنامية، أو «اليسار الجديد» في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وهي تنظيرات تتحدّث عن العنف بوصفه تكتيكاً، أو استراتيجية نضالية، ولكنها لا تبحث في ماهية العنف ذاته، وعلاقته بالشرط الإنساني. حتى تنظيم «داعش»، المشهور بعنفه الاستعراضي، الذي يصل إلى درجات غير مسبوقة من الإباحية، لم يكن من النوع الذي يصوغ تنظيرات عن أفعاله، أبعد من ترداد بعض الآيات القرآنية والأحكام الفقهية الخاصة به.
لا نتحدث هنا عن غياب التبرير، أو الشرعنة للعنف، فهذا وفير للغاية، دينياً كان أم قومياً أم ثورياً، بل عن غياب الاشتغال النظري على العنف بوصفه ظاهرة وجودية وتاريخية، تُنتج الذوات وتعيد تشكيل المجتمع، وليس مجرد وسيلة، أو ردّ فعل.
لا تمجّد الثقافة السياسية العربية المعاصرة العنف نظرياً ومنهجياً إذن، حتى حين تحتفي به رمزياُ، وتغنّي للسيوف والبنادق والشهداء والمعارك. وهذا ليس أمراً بديهياً أو متوقّعاً، للدرجة التي قد يبدو عليها في الوهلة الأولى، فتمجيد العنف والقوة، بوصفهما قيماً عليا، كان عنصراً تأسيساً في ثقافات عديدة، ولا داعي للعودة إلى أسبرطة أو روما أو القبائل الجرمانية، أو عصر الفتوحات العربية الإسلامية، إذ عرفت الحداثة تنظيرات شديدة العمق عن العنف، كانت أساسية في تيارات سياسية، وتأثّرت بها قوى كثيرة في المنطقة الناطقة بالعربية، مثل الفاشية والنازية والبلشفية والتحرر الوطني. وهي تنظيرات لم تقم على إدانة العنف أخلاقياً، أو الاكتفاء بتفسيره، بل كانت خطابات واضحة، لها عمقها الفلسفي المتسق، عن العنف بوصفه عاملاً وجودياً، وتأسيساً، في المجتمع والتاريخ والذات.
ضعف الانشغال العربي بالعنف، قد يكون سلبياً للغاية، إذ إننا نشهد أهوالاً، دون أن نفهم بالضبط معناها، حتى بالنسبة لمرتكبيها. وغياب الوعي النظري هذا ربما يكون علامة مقلقة، أكثر من كونه إشارة إلى ميل للسلام: نحن نتعامل مع مرتكبين، بل حتى مستمتعين بالعنف، لا يدركون بالضبط كيف يعيد العنف إنتاج عالمهم وثقافتهم، وإنتاجهم هم أنفسهم بوصفهم ذواتاً فاعلة. وقد يكون الأسوأ أن المنطقة تأثّرت بممارسات تنظيمات عالمية عنيفة، وقامت بمحاكاتها، بل وضع لمستها الخاصة عليها، دون أن تقف فعلياً لتسأل نفسها: ما العنف؟ ولماذا نحن متعلّقون به إلى هذه الدرجة؟
للمقارنة، يمكننا أن نُعِد لائحة بأشهر منظري العنف عالمياً، وأهميته ومعناه، من أعلام الماركسية الكلاسيكية، مثل فريدرك إنجلس ولينين؛ مروراً بجورج سوريل الملهم لكثير من الحركات الفاشية، واليسارية أيضاً، وكذلك جيوفاني جنتيلي أحد أبرز فلاسفة الفاشية؛ والحركة المستقبلية، وتصوراتها عن روح العصر والذات الإنسانية الجديدة؛ وكارل شميت الفيلسوف السياسي والقانوني المقرّب لفترة من النازية، وشديد التأثير على النظرية السياسية برمتها؛ وصولاً إلى فرانز فانون، وتنظيره شديد التأثير في التحرر الوطني ونزع الاستعمار. ليس معظم هذه الأسماء مجهولاً عربياً، إلا أنها لم تُستخدم بما فيه الكفاية من قبل العنيفين أنفسهم، الذين كثيراً ما أرفقوا أفعالهم بخطابات كثيرة، تتحدث عن «وسطيّة» في المنهج والموقف، و»ردة فعل» على شيء ما، الأمر الذي يعزز دور لغتنا المعاصرة في «تحجيب المعنى» إن صح التعبير، لا عرضه أو كشفه. ليس الأمر مجرّد نفاق، بل ضعف في واضح في وعي الذات، وتشكيلها، ما يجعلنا نتعامل دائما مع مستويات من اللاوعي، أقرب للهلوسة منها إلى الخطاب. وهذا قد يكون شديد الخطورة.
عرفت المنطقة أنواعاً مختلفة من «القمصان»، أي زي الميليشيات المستوحى من القمصان السود والبنيّة الفاشية والنازية (كما لدى «مصر الفتاة»، الإخوان المسلمين، بل حتى «الوفد»)؛ وعنف دولة إبادياً؛ وأنماطاً كثيرة من الميليشيات، التي تسيطر اليوم على دول بأكملها؛ وتجربة فريدة تاريخياً مع العنف الداعشي. وربما آن الأوان لإعلان رفض حاسم لأي خطاب عن «الوسطية» (التي ذكرها تنظيم داعش نفسه، عندما واجه انشقاقات «متطرّفة» على هوامشه)، فإذا كان العنيفون لا يريدون التكلّم حقاً عن عنفهم، فالأجدى السعي لإنتاج نظرية عن هذا العنف، من قبل المتضررين منه، فهذا قد يساعد أولاً على إنتاج توصيف صحيح للواقع؛ وثانياً للسعي للنجاة منه، والسُبل الأفضل لذلك. وقد تكون نقطة الانطلاق الأفضل قراءة الفراغات في خطاب «الوسطية» نفسه، أي ما يسكت عنه وليس ما يقوله، ليس لكشف عناصر مُضمرة، بقدر فهم معنى السكوت نفسه عن العنف. يصبح السؤال هنا: لماذا لا يمكن، ولا يجب، أن نتكلّم عن عنفنا؟ ولماذا نستمرئ دوماً خطاب الضحية، والمظلوم، وغيره مما يمكن وصفه بـ»التبرير بالمنعكسات»، أي دائماً برد فعل، وكأننا كائنات غير قادرة على الفعل، والوعي الذاتي الجدلي؟ ما التصوّر الأخلاقي الذي يقودنا لهذا، إن وجد؟ ولماذا ننجر دائما للإنشائيات المثالية، عن «عقلاء» يجب مخاطبتهم، و»شرفاء» يمكن مناشدتهم وسط كل ما نعيشه ونمارسه من عنف؟ ثم ماذا عن التعبيرات العنيفة والتحريضية المباشرة، العاميّة غالباً، التي بتنا نسمعها بشكل علني في الشوارع ومواقع التواصل؟ هل ترقى لدرجة خطاب عن العنف، أم أنها تنويعات عن الهلوسة «الوسطيّة» إياها؟ قد تكون هذه الأسئلة حاسمة في النجاة.
الأسطورة والهلوسة
قد يكون المفكر الفرنسي جورج سوريل (1847-1922) مرجعاً تأسيسياً في الحديث الواعي عن العنف. بحث ذلك الثوري المحترف دائماً عن «الأسطورة الحيوية»، التي يمكنها أن تشدّ عصب المجموعة، رمزياً وأخلاقياً، وتؤسس لها وعياً ذاتياً، ليس على مستوى المثال والسرد فقط، بل على مستوى الانفعال والجسد و»النبض» نفسه، ووجد في العنف لحظةً مكثّفة من لحظات تفعيلها، التي تتجسّد في مناسبات فاصلة، مثل الإضراب العمّالي العام. ليست الأسطورة كذبة أو خرافة، وإنما إنشاء جماعي للمعنى، وجانب من الشرط الإنساني، لا يمكن ترويضه للأبد. وإذا رُوّض من قبل سلطة ما، فيجب على السياسة الراديكالية إطلاقه، بوصفه طاقة مؤسِّسة لعوالم جديدة أكثر تحرّراً. لم يؤمن سوريل، وهذا ميّزه عن كثير من ثوريي جيله، بحتمية تاريخية تؤدي للتحرر، أو يوتوبيا تأتي بعد ثورة ما، وتنتفي معها الحاجة للأسطورة والعنف، فالإرادة والفعل الإنساني حاسمان في تجاوز شروط الترويض والإخضاع والاستغلال، ويجب أن يبقيا متحفّزين دائماً. يصير العنف بهذا جهداً أخلاقياً دائماً للذات الإنسانية. لا يمكن القول إن سوريل كان نصيراً للفوضى أو الهمجيّة، بل كان يبحث في ما تروّضه السلطة، لتشييد عنفها الساحق للبشر، ويسعى لإطلاقه لمواجهة المسخ الأخلاقي والاجتماعي، الذي تنتجه آليات الإخضاع والهيمنة.
بالطبع، يبدو منظور سوريل مرعباً لأي ليبرالي، وبالتأكيد كان مؤسِّساً في الفاشية، ولكن سوريل نفسه لم يكن فاشياً، بل أقرب للنزعة اللاسلطوية النقابية، وكان فوق هذا فيلسوفاً أخلاقياً من الطراز الرفيع. ويمكن القول إنه ممن أسسوا لفهم أوسع لظواهر إنسانية، مثل العنف والغضب والتمرّد، بعيداً عن الوعظية، أو النزعة الحقوقية الزائفة. وأعيدت قراءته كثيراً في أزمنة تالية لعصره. قد لا يكون ممن جعلوا عالمنا أفضل، ولكنه على الأقل وسّع الوعي السياسي والأخلاقي، في التعاطي مع العنف.
تختلف أساطير سوريل كثيراً عن الهلوسة العنيفة التي نشهدها. هذه الهلوسة تقوم على مخزون خيالي ورمزي وحيوي متناقض وعشوائي، دون أن تنبني على تمثيل مطابق لأصل واقعي أو مفهوم أو إرادة. والهلوسة قد تكون بدورها طاقة مؤسِّسة، ومنتجاً لمستويات من الواقع، إلا أنها عندما لا تتجه نحو ابتكار معيّن للذات، وتعيينها في العالم، تصير مُنتجاً عبثياً للهول والدموية. أي أننا لا نتعامل مع عنف نعرف لماذا يحدث وإلى أين يتجه، بل مع اندفاعات قاتلة بلا معنى واضح، حتى لمن يمارسها. فما بالك عندما تهلوس السلطة نفسها، بخطابها ولغتها وأخلاقياتها؟
ربما كان هذا حال «الوسطيّة» الذي نعيشه دائماً، فبينما نرى عنفاً منفلتاً، بل وشديد الإباحية، يصرّ مرتكبو العنف على أنهم «متوازنون»، وضحايا. وعندما تنتشر مشاهد عنفهم المروّع، أو تحريضهم الصريح والمبطن، يعودون ليأكدوا أن كل هذا مجرّد «رد فعل» على «مظلومية» لا تنتهي. وينتقلون من فرح واستمتاع عارم بنصر دموي، إلى حالة من رثاء الذات والمسكنة لدى الفشل، من دون أي قدرة على مراجعة الذات أو تقييمها. يبدو كل هذا عنفاً تافهاً، رغم كونه قاتلاً ومروّعاً، فهو لا يتسم بالأخلاقية، ولا الإرادة، ولا المعنى، ولا القدرة التأسيسية، بل مجرّد تفريغ دموي لرغبات قاتلة، لا يمكن وصفها حتى بالعدميّة. فهي تبغي خيالات عن الأمة، والسيادة، والدين القويم، والنصر على العدو، والثأر، ولكنها تعجز عن تأسيس كل هذا في قول ووعي صريح، وفعل منتج. «الوسطية» مليئة بالفراغات، والمسكوت عنه، ليس لأنها تخبّئ شيئاً، بل لأنها لا تشير فعلياً إلى أي شيء. ولكن، إذا تجاوزنا «الوسطيّة»، إلى ماذا يشير كل هذا فعلاً؟ ربما يمكن اختصار الإجابة بجملة واحدة: فشل شامل في كل أنظمة ومؤسسات التحضّر. بكلمة أخرى: الهمجيّة.
الهمجيّة والسلام
يمكن الحديث عن انهيار واضمحلال مؤسسات التحضّر بأساليب كثيرة، بعيدة عن الفلسفة والتحليل النفسي، ومنها رصد انهيار أنظمة التعليم والدين والأخلاق والإعلام والقانون. لا نتحدث هنا عن أنظمة ظالمة، أو ساحقة للبشر، بل عن فشل الأنظمة من الأساس، وتبددها في بيئة اجتماعية مضطربة. قد يمكننا رصد انتظامات وتكرارات داخل الفوضى الناتجة عن ذلك التبدد، ولكنها لا تشير إلى ما يسر، إذ لن نجد أكثر من «منظمات»، مرتبطة ببعضها ضمن شبكات غير مستقرة، وتزيد من تفاهة العنف، سواء كانت «منظمات» ميليشياوية أو «مدنيّة»؛ وبشرا خائفين، يحاولون المضي بحياتهم بين تلك «المنظمات»، التي تمارس مستويات متعدد ومركّبة من العنف. ربما لا يمكن تجاوز كل هذا إلا بالإصرار على «الحق في الإشارة» إن صح التعبير، أي إنتاج لغة جديدة تسعى لأن تقول شيئاً فعلياً، وأن تقدّم توصيفاً لمستويات الواقع المتعددة، حتى لو كان صادماً وقاسياً، بل حتى عنيفاً. إذ كيف يمكن توصيف كل ذلك العنف، إلا بلغة قادرة على التمثيل الفعلي، أي لغة عنيفة؟ هذا يعني أن الشرط المبدئي واللازم لتجاوز الهمجيّة هو تجاوز «الوسطيّة»، التي لا تقول شيئاً.
استعادة القدرة على القول الفعلي، قد تكون منطلقاً لتأسيس وعي بالذات، إذ يحق للبشر القطيعة، والانفصال، والتجاوز، عندما يحددون ويصفون ما يؤذيهم، ويعرقل استمرار حياتهم. وتلك القطيعة قد تكون مؤسساً جديداً للذات، الجماعية كما الفردية. عندما نسمّي الهمجيّة التي نتعرّض لها، فسيكون هذا منطلقاً لبناء أنظمة تحضّر مفارقة لها، وقادرة على الحماية منها.
قد يخرجنا هذا من دوامة العنف التافه، إلى «أسطورة حيوية»، بالمعنى السوريلي: تأسيس جماعي، يشدّ عصب من يتوقون إلى الحياة، بالضد من الهمجيّة. لا يعني هذا العنف المضاد، الذي لن ينتج إلا مزيداً من الهمجية في الظرف الراهن، بل القدرة التأسيسية على حماية الذات، وهي تؤطّر العنف، والرغبة، والفكر، والتعبير، باتجاه هدف حيوي، وهو السلام، وسط سيل المسلّحين الميليشياويين. بعبارة أخرى: الكفاح لأجل السلام. وهذا يعني نزع الطابع الغريزي والهلوسي عن العنف، وإخضاعه للفهم بوصفه شرطاً يجب تجاوزه لا تكراره.
وإذا كان سوريل قد وجد في الإضراب العام أسطورته المنشودة، فإن الأسطورة في المجتمعات التي تسعى للخلاص من الهمجية قد تكون أكثر بساطة، ربما مجرّد مجتمع تستطيع النساء فيه الوجود في الفضاء العام، دون التعرّض للقتل والخطف والاغتصاب والحجب؛ ولا يركنن، في الوقت نفسه، إلى «مساحات آمنة»، لن توجد دون مموليّن أبويين مهما كان جنسهم، لا تؤدّي هيمنتهم إلا إلى استدامة العنف التافه. سيكون هذا علامة على نشوء نظام تحضّر بالتأكيد. والنظام الناجح يحقق السلام، ويستطيع حماية نفسه في الوقت نفسه. بالتأكيد نتكلّم هنا عن مشاريع نظرية جداً، ولكنّ إعادة الاعتبار للنظرية، والمفاهيم، والتجريد المنهجي، قد تكون أوّل ما نتعلّمه لدى محاولة تجاوز «الوسطيّة» والهمجيّة واللغة التي لا تقول شيئاً.
محمد سامي الكيال…كاتب سوري
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :