من أين ستأتي السيولة؟

من أين ستأتي السيولة؟

 

Telegram

من الأمور التي أثارت أسئلة كثيرة في ما يخصّ مشروع قانون الانتظام المالي، أن تطبيق الحلول المطروحة يحتاج إلى سيولة كبيرة. فالسنوات العشر الأولى من مشروع القانون كفيلة بتجفيف السيولة الموجودة في القطاع المالي، بين مصرف لبنان والمصارف التجارية. وهذا ما يثير سؤالاً مشروعاً لا جواب عليه حتى الآن: من أين ستأتي السيولة؟ لا يوجد أرقام دقيقة حتى الآن، لكن بحسابات بسيطة يمكن القول إنه في السنوات الأربع الأولى فقط، يتوجّب تسديد 20 مليار دولار بالحدّ الأدنى، بينما هناك استحقاقات في السنوات الست التالية بقيمة إجمالية تصل إلى 27.4 مليار دولار يدفع منها 2% سنوياً.

 

صحيح أن الحسابات التي لا تتخطى 100 ألف دولار تبلغ قيمتها نحو 14.8 مليار دولار، إلا أن القانون لا يقول إنه يتوجّب دفع هذه الحسابات فقط في هذه المرحلة، بل سيتوجّب السداد لكل المودعين إلى حدّ 100 ألف دولار. بمعنى آخر، حتى المودعون الذين تتخطى ودائعهم عتبة الـ100 ألف دولار، سيحصلون على أول 100 ألف دولار، وهذا ما سيزيد استحقاق التسديد في المرحلة الأولى (أربع سنوات).

يقدّر أن عدد الحسابات الإجمالي الذي سيتقاضى أول 100 ألف دولار، سيصل إلى 648 ألف حساب، (الشريحة التي فيها أقل من 100 ألف دولار تحتسب على أساس معدل وسطي لكل مودع بقيمة 19 ألف دولار)، أي إن الاستحقاقات الإجمالية في السنوات الأربع الأولى ستبلغ 20.4 مليار دولار. وقد تنخفض إذا احتسب جمع الحسابات بأعلى من 30% ومتوسط الحسابات الأدنى في الشريحة الأولى بأقل من 19 ألف دولار.

 

كلفة الاستحقاق في السنوات الأربع الأولى تتجاوز ما هو متوافر من سيولة حالية بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان والمصارف التجارية. فاحتياطات مصرف لبنان لا تتجاوز 12 مليار دولار حالياً، والسيولة الخارجية لدى المصارف مقدرة باحتياطات حرّة بقيمة 500 مليون دولار ونقد بالدولار في الخزائن بقيمة 700 مليون دولار، بالإضافة إلى محفظة الأوراق المالية الخارجية بقيمة 1.2 مليار دولار، أي ما مجموعه 2.4 مليار دولار. بمعنى آخر، بين سيولة مصرف لبنان المتاحة، وسيولة المصارف المتاحة، يجمع القطاع المصرفي 14.2 مليار دولار من السيولة. وهذا لا يُشكّل أكثر من 69% من المطلوبات، بحسب القانون، في السنوات الأربع الأولى.

 

يجمع القطاع المالي سيولة أقصاها بقيمة 14.4 مليار دولار

 

يبقى نحو 10 مليارات دولار يجب أن تُسدد في المدّة المذكورة أيضاً. فمن أين تأتي هذه؟ هل ستقوم المصارف بتسييل محافظها من سندات اليوروبوندز وملكياتها العقارية وستعزّز تحصيل القروض من الزبائن؟ هل ستكون قيمة سند اليوروبوندز أعلى من 25% من قيمته الاسمية؟ هل ستغطي المصارف هذه الفجوة برسملة جديدة؟ أي إنها ستصرف أموال إعادة الرسملة في السنوات الأربع الأولى؟ ماذا سيبقى لديها لتسديد المرحلة الثانية؟ أم أنه من المتوقّع أن تدرّ المؤسّسات العامة التي ستُضمّ إلى صندوق استرداد الودائع مبلغ من هذا النوع خلال 4 سنوات؟ من المؤكد أن مساهمة هذه المؤسسات لن تكون بهذا الحجم، وإلا كان الوضع المالي للدولة اللبنانية اليوم مختلفاً.

 

قد تُطرح فكرة استخدام الذهب الاحتياطي في مصرف لبنان في عملية السداد، والتي تفوق قيمتها 40 مليار دولار بأسعار الذهب الحالية.

وكان الذهب أحد المواضيع المتكررة في ندوة «إعادة هيكلة القطاع المصرفي في لبنان: المعايير العالمية والواقع المحلي» بمشاركة أكاديميين وخبراء من القطاع المصرفي وأصحاب مصارف. جادل المصرفيون وعدد من الخبراء بأن الذهب، الذي تبلغ قيمته الآن مستويات تاريخية مرتفعة، يجب أن يكون جزءاً من أي خطة إعادة هيكلة جادة، ويمكن أن يساعد في تسريع تعافي الودائع.

 

وأكدوا أنه يمكن إقناع البرلمان اللبناني بالموافقة على استخدامه بشكل محدود، لا سيما أن أرباح الذهب قد ارتفعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وهذا الأمر يُثبت أن فكرة استخدام الذهب مطروحة بشكل جدي، وسيُمارس الضغط من أجل تنفيذها. وتنفيذها يعني استخدام ما هو ملك الأجيال القادمة من الشعب اللبناني، والذي يمكن استخدامه كسيولة لتحسين الوضع الاقتصادي، في سداد ودائع جزء من اللبنانيين الآن.

كل هذه الأسئلة المطروحة تحتاج إلى إجابات من أجل تثبيت شرعية منطقية لقانون الفجوة المالية.

 

وكل هذا يخص السنوات الأربع الأولى. في حين أن السنوات الست المتبقية تُلزم بسداد نحو 27 مليار دولار للودائع التي تتراوح بين 100 ألف دولار ومليون دولار. صحيح أنه من غير المعروف حجم الودائع التي ستُقتطع منها، بعد حسم الفوائد الفائضة وشطب الودائع غير المشروعة، ولكن حتى لو تبقّى نصف هذا المبلغ، فتجفيف السيولة الذي سيحصل في السنوات الأربع الأولى يجعل القطاع المصرفي اللبناني، بما فيه مصرف لبنان، أمام عجز. إلا إذا كانت الخطة تقتضي بأن يُسيّل الذهب بشكل كامل.

 

القانون، بصيغته الحالية، لا يقدّم مساراً مالياً واضحاً، بل يفترض توافر موارد من غير الواضح من أين ستأتي، أو يراهن على إجراءات استثنائية لم يُحسم أمرها سياسياً ولا دستورياً ولا اقتصادياً. والأسوأ من ذلك، أنّ الغموض المتعمّد حول مصادر التمويل لا يؤجل الأزمة فحسب، بل ينقلها إلى مراحل لاحقة أكثر خطورة، بعد أن يكون قد جفّف ما تبقّى من سيولة، وقيّد قدرة الدولة والقطاع المصرفي على أي تدخل إنقاذي لاحق.

 

والمشكلة أنه حتى لو سُددت الأموال بالطريقة المذكورة، فما هي انعكاساتها الاقتصادية؟ أين ستذهب هذه الأموال في الاقتصاد، بوجود قطاع مصرفي مشلول، سيصرف أموال إعادة رسملته في سداد ما عليه للمودعين؟ إذا ذهبت هذه الأموال إلى القطاع العقاري من أجل حفظ القيمة، ستنعكس هذه الحركة على أسعار العقارات بشكل يسبب خلق فقاعة في العقار. وإذا خرجت من البلد، سيعني هذا هروب النقد الأجنبي من البلد وعدم الاستفادة منه.

 

ماهر سلامة

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram