من هذا المنطلق يبدو فيلم "اللي باقي منك" لمخرجته الفلسطينية الأصل شيرين دعيبس فيلماً هاماً وذا قيمة إنسانية وليس فقط تاريخية. يجسد الفيلم رحلة عائلة "حمّاد" الفلسطينية التي اختارتها الكاتبة والمخرجة لتختزل من خلالها معاناة الفلسطينيين الذين هُجّروا من أراضيهم وديارهم لأماكن أخرى، سواءً داخل أو خارج فلسطين، وتشاء الصُّدف أن يلعب أدوار بطولته عائلة البكري التي لم تغادر فلسطين إلا لتعود إليها؛ فيلعب آدم البكري دور "شريف" الأب في مرحلة الشباب، حيث كان يعيش في يافا، قلب فلسطين، عام 1948، ويتعرض للاحتلال الذي يجبره على مغادرة بيته وأرضه ، بينما يلعب محمد البكري دور "شريف" الجد، في حين يؤدي صالح البكري دور "سليم"، الابن الأكبر لشريف، بعد أن أصبح بدوره ربَّ أسرةٍ نازحة في فلسطين ويمتد دوره تاريخياً من 1978 لغاية 2022.
اختارت دعيبس الأردن مكاناً لتصوير الفيلم، ما بين العاصمة عمّان ومحافظة البلقاء، لأنها الأقرب جغرافياً إلى فلسطين من ناحية، ومن ناحية أخرى قريبة إلى طبيعتها العمرانية. استمر تصوير الفيلم مدة ستة أسابيع مستفيدة بشكل أساسي من منحة برنامج الحوافز المالية التي وفرتها الهيئة الملكية الأردنية لدعم الإنتاج السينمائي، وكانت الهيئة قد عرضت الفيلم مؤخراً بحضور معظم طاقمه، وذلك احتفالاً بوصوله للقائمة القصيرة من مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.
ينقسم فيلم "اللي باقي منك" على مستوى السيناريو إلى قسمين رئيسيين، إذ يستهلّ أحداثه بلحظة استشهاد نور، الشاب اليافع الذي ورث حبّ الوطن والأرض عن جدّه، خلال الانتفاضة الأولى في نابلس شمال الضفة الغربية عام 1988. غير أنّ المخرجة لا تمضي في تتبّع تطوّر الوقائع وفق المسار السردي الكلاسيكي الذي يكشف مصير الشاب تدريجياً، بل تختار أن تعود بنا إلى الوراء، عبر تقنية الاسترجاع، لتروي الحكاية من خلال "حنان"، والدة نور، والتي تمثل دورها شيرين دعيبس.
تقول حنان في مقدمة الفيلم: لكي تفهموا من هو ابني، يجب أن أخبركم بما حدث لجدّه. ثم تعود المخرجة، في منتصف الفيلم، إلى لحظة الانتفاضة لنتابع الجزء المتبقي من مصير الشاب الذي ارتقى برصاصة. هكذا يبدو الفيلم مكتوباً بطريقة فنية مشدودة عن عائلة نور الفلسطينية، التي نزحت من يافا مع من نزح عام 1948. ولكن في حقيقة الأمر سيطرح الفيلم قضية إنسانية أخطر وأعمق، وهي قضية جدلية قد نتفق أو لا نتفق مع مخرجتها؛ فهل سيقبل سليم، والد نور، المصاب بنيران العدو التبرعَ بأعضاء ابنه المتوفى كلينيكياً لإنقاذ أولاد أعدائه قاتلي ابنه؟ ولدعم الموقف تتجه العائلة إلى خطيب المسجد ليقنع سليم مستشهداً بالحديث الشريف " لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده وحده ولا يشرك به شيئاً"، مؤكداً له على أن إنسانية الإنسان بحد ذاتها مقاومة، ولا يمكن لأحد أن يسلبنا إنسانيتنا حتى إن كان عدواً. إنها مقولة سهلة، كما يبدو، لكنها صعبة التنفيذ.
ليس كل فيلم عن فلسطين يحكي التاريخ… بعض الأفلام تحكي ما تركه التاريخ في الناس
تمرّ الكاتبة والمخرجة برحلة طويلة تمتد 145 دقيقة، تتوقف فيها عند أربعة تواريخ رئيسية أثرت في مصير فلسطين عموماً وعائلة حمّاد خصوصاً؛ التاريخ الأول هو عام 1948، تماماً بعد مذبحة قرية دير ياسين القريبة من القدس في 9 نيسان/أبريل، مروراً بهزيمة المجاهدين والمدافعين عن يافا وسقوطها بيد الاحتلال في 26 نيسان/أبريل كمرحلة أساسية للفيلم.
ثم تنتقل مباشرة إلى عام 1987 الذي ارتبط بمرحلة الليطاني والحملة العسكرية التي قام بها الجيش الإسرائيلي على جنوب لبنان، واحتلّ خلالها الأراضي اللبنانية حتى نهر الليطاني، لتتوقف بعد ذلك عند عام 1988، بداية الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية، وهو التاريخ الذي اختارته لافتتاح فيلمها.
وينتهي الفيلم في عام 2022، أي قبل الحرب على غزة بعام فقط، حيث سيتمكن أخيراً سليم من زيارة مدينته يافا، لكن هذه المرة بصفته سائحاً أجنبياً، يقوم بجولة لشوارعها وبحرها، ولا ينسى المرور على بيته القديم الذي أصبح مدمراً. تقول دعيبس: "كنّا نصوّر فيلماً عن النكبة ونحن نعيش نكبة أخرى مع الحرب على غزة، وقد وضعنا كل غضبنا في هذا العمل ".
أهمية الفيلم لا تكمن فقط في وصوله للقائمة القصيرة في الأوسكار، أو كونه يقدم، بشكل سينمائي، أحد أهم القضايا العربية على الإطلاق، أو لأنه أصبح اليوم الفيلمَ الروائي الأخير الذي شارك فيه محمد البكري قبل أن يرحل (24 كانون الأول/ديسمبر 2025)، بل لأن الفيلم سيشاهده مئات الأشخاص، وسيشكل فرصة ليعرف العالم ما حصل حقيقة في فلسطين وما تعرض له الشعب الفلسطيني من اضطهاد مستمر لغاية اليوم.
تقول دعيبس في لقاء سابق معها: "رغم أنني لم أولد وأعيش في فلسطين، إلا أن الفيلم يدور حول أشخاص أعرفهم عانوا كثيراً وشاهدت معاناتهم عن قرب، مثل جدي ووالدي الذي نفي من فلسطين في العام 1967، وما سببه ذلك من حزن دائم على الوطن"، مؤكدة على أن جائزتها الكبرى تكمن في ملامسة الفيلم لقلوب الناس وعقولهم، ومحاولته لتغيير وجهات نظرهم، وخاصة في الغرب: "هذا الفيلم مؤثر جداً، ونحن بحاجة أن يشعر الناس معنا، وأن يحسوا بما عانينا وما اضطررنا لتحمله لما يقارب الثمانين عام".
"اللي باقي منك" يروي فلسطين من قلب العائلة، لا من صفحات التاريخ
وفي لقطة دالّة، اختارت المخرجة أن يكون بروشور الفيلم مستمدّاً من مشهد معبّر فيه، إذ تقرّر عائلة حمّاد، في يوم زفاف ابنتها، التقاط صورة جماعية على خلفية يظهر فيها بحر يافا، في إشارة إلى حلمٍ جمعيّ للعائلة، كما لو أنها لم تُهجَّر ولم تغادر أرضها وبيتها.
لمى طيارة