لم يكن التقسيم الثنائي للعالم إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب" أو "دار الكفر" مجرّد بناء فقهيٍ معزول وُضع في بطون الكتب، بل كان في جوهره انعكاساً لمزيج معقد من الحقائق السياسية والجغرافية والاجتماعية التي صاحبت تشكّل الدولة الإسلامية منذ القرن الأول الهجري. فالمفهومان لم يظهرا بوصفهما مصطلحَين جاهزَين في النص القرآني، ولا تداولهما المسلمون في عصر النبوة، بل تدرّجا عبر الزمن مع اتساع رقعة الفتوحات واحتكاك المسلمين بقوى عالمية كبرى مثل الروم البيزنطيين والفرس الساسانيين.
وبينما تُقدّم بعض القراءات الاستشراقية هذا التقسيم بوصفه "عقيدة قتالية" ثابتة في الإسلام، تكشف القراءة التاريخية-الفقهية أن الأمر أكثر تعقيداً: فالتقسيم جاء في الأصل لتقنين علاقة الدولة الإسلامية بمحيطها، ولتنظيم أوضاع المجتمعات الجديدة التي دخلت تحت سلطانها بعد الفتح. ومع مرور الزمن، أصبح المصطلح، رغم بساطته، أحد المفاتيح المهمة التي شكّلت معالم الرؤية الإسلامية للعالم، ووفّرت إطاراً تُنظّم من خلاله أحكام الجهاد، والجزية، والصلح، والأمان، والهجرة، وحقوق غير المسلمين.
نعيد هنا تفكيك هذا النموذج، لنتتبّع كيف نشأ، وكيف تغيّر، وكيف أُعيد إنتاجه في الأزمنة اللاحقة (من العصر العباسي إلى السلطنة العثمانية) وصولاً إلى بعض القراءات الحديثة التي أعادت تفسيره ضمن سياقات الدولة القومية والعلاقات الدولية.
الجذور الفقهية الأولى
تتفق أغلب الدراسات الحديثة، مثل دراسة وائل حلاق في كتابه "الشريعة: النظرية، والممارسة، والتحولات" (2018)، على أن فكرة تقسيم العالم إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب" ليس لها أصل نصي مباشر في القرآن والسنة النبوية، بل هي من إنتاج الفقه السياسي الذي تبلور مع قيام الدولة الإسلامية؛ فالنبي لم يستخدم هذه المصطلحات، ولم يُصنّف العالم إلى تقسيمات ثنائية، بل كان يتعامل وفق منطق العلاقات الواقعية بين القبائل والكيانات القائمة في زمنه.
لم يولد تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب من نص القرآن، بل من حاجة دولةٍ آخذة في الاتساع إلى لغةٍ تضبط علاقتها بالعالم، فصار الفقه مرآةً للسياسة أكثر منه تعبيراً عن عقيدةِ صدامٍ دائم
مع توسّع الدولة بعد الفتوحات، أصبح على الفقهاء أن يضعوا قواعد ومعايير تنظّم العلاقة بين المجتمع المسلم والمجتمعات المفتوحة حديثاً، وبين الدولة الإسلامية والدول المجاورة. وهنا بدأ الفقه الحنفي خصوصاً في رسم التقسيم. تدلّ كتابات القاضي أبي يوسف في القرن الثاني الهجري والفقيه شمس الأئمة السَّرَخْسي في القرن الخامس الهجري على أن الفقه الحنفي هو الأكثر بلورة للمفهوم.
بحسب ما ورد في الأدبيات الحنفية تقوم "دار الإسلام" على معيار "ظهور أحكام الإسلام"، أي وجود سلطة سياسية تُجري العقود والقضاء والزكاة وسائر التشريعات. فإذا زالت هذه السلطة، يمكن أن تتحوّل المنطقة إلى "دار حرب" حتى لو بقي سكانها من المسلمين؛ على سبيل المثال يقول السّرَخسي في كتابه "المبسوط في الفقه": "الاعتبار في الدارين لظهور الأحكام، لا لوجود المسلمين أو الكافرين". هذا الربط بين مساحة سياسية/سلطة الحكم ومساحة تشريعية/ظهور الأحكام هو الركيزة الأساسية التي بني عليها المفهوم كله لاحقاً.
على الجانب الآخر، تم تناول مفهومَي دار الإسلام ودار الكفر بشكل مختلف في الفقه الشافعي والفقه المالكي. فبينما استخدم الشافعي مصطلح "دار الإسلام" بكثرة في كتابه الشهير "الأم"، لم يجعل مقابلها مصطلح "دار الحرب" بشكل صارم، بل انشغل بصورة أكبر بتنظيم أحكام الذمة والصلح والجزية. أما المالكية، وخصوصاً في بيئة الأندلس القلقة، فقدموا رؤية أكثر توجّساً من "الدار المخالفة"، كما يظهر لدى الفقيه ابن عبد البرّ في كتابه "التمهيد". اعتماداً على تلك الاختلافات، تؤكد المؤرخة الدانماركية باتريشيا كرون في كتابها "God’s Rule: Government and Islam" أن المدارس الفقهية الإسلامية في العصر الوسيط كانت تتفاعل مع الواقع السياسي أكثر مما تتفاعل مع منطق ديني تجريدي، وأن التقسيم الثنائي للعالم كان في حقيقة الأمر انعكاساً مباشراً لتجارب وظروف كل منطقة.
التشريع والسياسة
لم يبق التقسيم الثنائي للعالم إلى "دار إسلام" و"دار كفر" رهيناً بالاستخدامات الفقهية النظرية المجردة، بل سرعان ما تفاعل مع التشريعات والتعاملات السياسية القائمة. ففي القرن الثاني والثالث الهجريَّين، ومع تشكّل الدولة العباسية كإمبراطورية شاسعة، ظهر الاحتياج الملحّ لتنظيم المجتمعات المفتوحة. في هذا السياق، مثّل كتاب "الخراج" لأبي يوسف و"الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام الإطارَ النظري الحاكم للعديد من التشريعات المرتبطة بالتقسيم الثنائي، ومنها تحديد الضريبة (الجزية والخراج)، وتنظيم ملكية الأرض، ووضع أنظمة القضاء بين المسلمين وغير المسلمين، وتنظيم علاقة الجند بالدولة، فضلاً عن ضبط موارد الدولة المالية. في كتابه "الفتوح العربية الكبرى" (2008) يشير المستشرق البريطاني هيو كينيدي إلى أن هذه الكتب كانت بمثابة "دساتير إدارية" أكثر من كونها كتباً فقهية، لأنها شرعنت وجود الدولة وأعطتها الأدوات اللازمة لإدارة المجتمع وضبط أموره. من هنا أصبح التقسيم بين "دار الإسلام/دار الحرب" قاعدة سياسية لإدارة الداخل والخارج معاً.
كان نظام أهل الذمة هو أوضح تجليات هذا التقسيم؛ فقد اعتمد على فكرة أن أهل "دار الإسلام" غير المسلمين يعيشون في حماية الدولة مقابل دفع الجزية، وأن لهم حقوقاً مدنية واضحة. وقد نظم أبو عبيد في الأموال هذه العلاقة باعتبارها "عقد حماية" وليس علاقة عداء، وهو ما يجعل المصطلح بعيداً عن التصوير الحديث الذي يراه إطاراً للتمييز. من جهة أخرى، ومن منظور سوسيولوجي، يلاحظ مارشال هجسون في كتابه The Venture of Islam" (1974) أن نظام الذمة كان وسيلة مناسبة لدمج مجتمعات كاملة داخل الدولة دون اللجوء للإكراه الديني.
من جهة أخرى، طوّرت المنظومة الفقهية العديد من الأحكام المرتبطة بمسألة التقسيم الثنائي للعالم؛ على سبيل المثال، صاغ الأحناف أحكاماً دقيقة لعهود الأمان عند السفر، ويمكن القول إنهم ابتكروا أحد أقدم أشكال "نظام التأشيرات" المُتعارف عليه حالياً عند السفر من دولة لأخرى. فالسّرَخسي يقول في "المبسوط في الفقه": "إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان، وجب الوفاء له ما دام في سلطان المسلمين".
أما الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام فقد كانت متصلة بدرجة الأمان؛ فإذا كان المسلم قادراً على إقامة شعائره وتأمين نفسه، جاز له البقاء في البلد غير المسلم. أما إذا فقد الأمن، فقد وجبت عليه الهجرة. أيضاً، كان تنظيم التجارة أحد أهم فصول التقسيم الثنائي، إذ لم يكن ممكناً، في واقع يعتمد على تبادل التجارة بشكل مستمر، قطعَ العلاقة مع "الدار المخالفة" بالكلية.
محمد يسري
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :